معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

قوله تعالى : { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم } ، أي : جزاء مكرهم ، { وإن كان مكرهم } ، قرأ علي وابن مسعود : { وإن كان مكرهم } بالدال ، وقرأ العامة بالنون . { لتزول منه الجبال } ، قرأ العامة لنزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية . معناه : وما كان مكرهم . قال الحسن : إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال . وقيل : معناه إن مكرهم لا يزيل محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال . وقرأ ابن جريج و الكسائي : لتزول بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، معناه : إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة : معناه وإن كان شركهم لنزول منه الجبال وهو قوله تعالى : { وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا } [ مريم-19 ] . ويحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية : أنها نزلت في نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه ، وذلك أنه قال : إن كان ما يقول إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها ، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور فرباها حتى شبت واتخذ تابوتا ، وجعل له بابا من أعلى وبابا من أسفل ، وقعد نمرود مع رجل في التابوت ، ونصب خشبات في أطراف التابوت ، وجعل على رؤوسها اللحم وربط ، التابوت بأرجل النسور ، فطرن وصعدن طمعا في اللحم ، حتى مضى يوم وأبعدن في الهواء ، فقال نمرود لصاحبه : افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربناها ، ففتح الباب ونظر فقال : إن السماء كهيئتها ثم قال : افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها ؟ ففعل ، فقال : أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان ، فطارت النسور يوما آخر ، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران ، فقال لصاحبه : افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها ، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة ، فنودي : أيها الطاغية أين تريد ؟ قال عكرمة : كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشاب فرمي بسهم فعاد إليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء - وقيل : طائر أصابه السهم - فقال : كفيت شغل إله السماء . قال : ثم أمر نمرود صاحبه أنه يصوب الخشبات وينكص اللحم ، ففعل ، فهبطت النسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ، ففزعت وظنت أنه قد حدث حدث من السماء ، وأن الساعة قد قامت ، فكادت تزول عن أماكنها ، فذلك قوله تعالى : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

{ و } الحال أنه بان لكم أنهم حين فعلنا بهم ما فعلنا { قد مكروا مكرهم } أي{[45289]} الشديد العظيم الذي استفرغوا{[45290]} فيه جهدهم{[45291]} بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد{[45292]} الكفر وإبطال الحق ؛ والمكر : الفتل{[45293]} إلى الضرر على وجه الحيلة{[45294]} { و } الحال أنه { عند الله } أي المحيط علماً وقدرة { مكرهم } هو وحده{[45295]} به عالم{[45296]} من جميع وجوهه{[45297]} وإن دق ، وعلى إبطاله قادر وإن جل { وإن كان مكرهم } من القوة والضخامة { لتزول } أي لأجل أن تزول{[45298]} { منه الجبال * } والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية{[45299]} : وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال ، والمعنيان متقاربان ، وقيل : " إن " نافية ، واللام لتأكيد النفي ؛{[45300]} والجبال : الآيات والشرائع ، بل هي أثبت{[45301]} .


[45289]:في ظ: من.
[45290]:في مد: استقرتموا.
[45291]:في ظ: جهدكم.
[45292]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تأكيد.
[45293]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: القتل.
[45294]:من م ومد، وفي الأصل: العجلة، وفي ظ: الخيلة.
[45295]:سقط من م.
[45296]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45297]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45298]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: تتزول.
[45299]:راجع البحر 5/334.
[45300]:جاء ما بين الرقمين مطموسا في م.
[45301]:جاء ما بين الرقمين مطموسا في م.