الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

قوله تعالى : { وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ } : يجوز أن يكونَ هذا المصدرُ مضافاً لفاله كالأولِ بمعنى : أنَّ مَكْرَهُمْ الذي مكروه جزاؤُه عند الله تعالى ، أو للمفعولِ ، بمعنى : أنَّ عند الله مَكْرَهم الذي يَمْكُرُهم به ، أي : يُعَذِّبهم . قالهما الزمخشري . قال الشيخ : " وهذا لا يَصِحُّ إلا إنْ كان " مَكَرَ " يتعدَّى بنفسِه كما قال هو ، إذ قدَّر : يمكرهم به ، والمحفوظ أنَّ " مَكَر " لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسِه . قال تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الأنفال : 30 ] ، وتقول : زيدٌ ممكورٌ به ، ولا يُحْفظ " زيدٌ ممكورٌ " بسبب كذا " .

قوله " لِتَزُولَ " قرأ العامَّةُ بكسر اللام ، والكسائيُّ بفتحِها فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجه ، أحدُها : أنها نافيةٌ واللامُ لامُ الجحودِ ؛ لأنها بعد كونٍ منفيّ ، وفي " كان " حينئذٍ قولان ، أحدُهما : أنها تامَّةٌ ، والمعنى : تحقيرُ مَكْرِهم ، أنه ما كان لتزولَ منه الشرائع التي كالجبالِ في ثبوتِها وقوتِها . ويؤيد كونَها نافيةً قراءةُ عبد الله : " وما كان مَكْرُهم " . القول الثاني : أنها ناقصةٌ ، وفي خبرِها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين : هل هو محذوفٌ واللامُ متعلقةٌ به ، وإليه ذهب البصريون ، أو هذه اللام وما جَرَّتْه ، كما هو مذهبُ الكوفيين ، وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران .

الوجه الثاني : أن تكونَ المخففةَ من الثقيلة . قال الزمخشري : " وإنْ عَظُمَ مكرُهم وتبالغَ في الشدَّةِ ، فضرب زوالَ الجبالِ منه مثلاً لشدَّته ، أي : وإنْ كان مَكْرُهم مُعَدَّاً لذلك " . وقال ابن عطية : " ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءةِ : تَعظيمَ مَكْرِهم ، أي : وإن كان شديداً ، إنما يفعل لتذهب به عظامُ الأمور " فمفهومُ هذين الكلامين أنها مخففةٌ لأنه إثباتٌ .

والثالث : أنها شرطيةٌ ، وجوابُها محذوف ، أي : وإنْ كان مكرُهم مُعَدَّاً لإِزالةِ أشباهِ الجبال الرواسي ، وهي المعجزات والآيات ، فالله مجازِيْهم بمكرٍ هو أعظمُ منه . وقد رُجَّح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافيةٌ ؛ لأن فيه معارضةً لقراءة الكسائي ، وذلك أن قراءَته تُؤْذِنُ بالإِثباتِ ، وقراءةَ غيره تُؤْذن بالنفي .

وقد أجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحالَ في قراءة الكسائي مُشارٌ بها إلى أمورٍ عظام غيرِ الإِسلامِ ومُعجزاتِه كمكرهم صلاحيةَ إزالتها ، وفي قراءةِ الجماعةِ مُشارُ بها إلى ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الدين الحق ، فلا تَعارُضَ ، إذ لم يتواردا على معنى واحدٍ نفياً وإثباتاً .

وأمَّا قراءةُ الكسائي ففي " إنْ " وجهان : مذهبُ البصريين ، أنها المخففةُ واللام فارقة ، ومذهبُ الكوفيين : أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى " إلا " ، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين .

وقرأ عمرُ وعليٌّ وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة " وإن كاد مكرهم لَتزول " كقراءةِ الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون " كان " دالاًّ فعلَ مقاربة ، وتخريجها كما تقدَّم ، ولكن الزوالَ غيرُ واقعٍ .

وقُرِء " لَتَزُوْل " بفتح اللامين . وتخريجهما على إشكالها أنها جاءَتْ على لغةِ مَنْ يفتح لام " كي " .