النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

قوله عز وجل : { وقد مكروا مكرهم } فيه قولان :

أحدهما : أنه عنى بالمكر الشرك ، قاله ابن عباس .

الثاني : أنه عنى به العتو والتجبّر ، وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع النسرين في الهواء ، قاله علي رضي الله عنه . وقال ابن عباس : هو النمرود بن كنعان بن سنحاريب بن حام بن نوح بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة ، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً وصعد منه مع النسور ، فلما علم أنه لا سبيل إلى السماء اتخذه حصناً وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه ، فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصرح عليهم ، فهلكوا جميعاً ، فهذا معنى قوله : { وقد مكروا مكرهم } .

{ وعند الله مكرهم } فيه وجهان :

أحدهما : وعند الله مكرهم عالماً به لا يخفى عليه ، قاله علي بن عيسى .

الثاني : وعند الله مكرهم محفوظاً عليهم حتى يجازيهم عليه ، قاله الحسن وقتادة .

{ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } فيه قراءتان .

إحداهما : بكسر اللام الأولى وفتح الثانية ، ومعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، احتقاراً له ، قاله ابن عباس والحسن .

الثانية : بفتح اللام الأولى وضم الثانية ، ومعناها وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال استعظاماً له . قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم { وإن كاد{[1655]} مكرهم لتزول منه الجبال } .

وفي { الجبال } التي عنى زوالها بمكرهم قولان : أحدهما : جبال الأرض .

الثاني : الإسلام والقرآن ، لأنه لثبوته ، ورسوخه كالجبال .


[1655]:كان مضارعه يكاد وهي من أفعال المقاربة.