معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

قوله تعالى : { لا تمدن عينيك } ، يا محمد ، { إلى ما متعنا به أزواجاً } ، أصنافا ، { منهم } أي : من الكفار متمنيا لها نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الدنيا ومزاحمة أهلها عليها . { ولا تحزن عليهم } ، أي : لا تغنم على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا أبو جعفر أحمد بن محمد ابن العنزي ، حدثنا عيسى بن نصر ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا جهم بن أوس ، قال : سمعت عبد الله بن مريم - مر به عبد الله بن رستم في موكبه ، فقال لابن أبي مريم : إني لاشتهي مجالستك وحديثك ، فلما مضى قال ابن مريم - سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تغبطن فاجرا بنعمته ، فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته ، إن له عند الله قاتلا لا يموت " ، فبلغ ذلك وهب بن منبه فأرسل إليه وهب أبا داود الأعور ، قال : يا أبا فلان ما قاتلا لا يموت ؟ قال ابن أبي مريم : النار .

أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفر السرخسي ، أنبأنا أبو سعيد أحمد بن محمد ابن الفضل الفقيه ، حدثنا أبو الحسن بن إسحاق ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي ، أنبأنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " . وقيل : هذه الآية متصلة بما قبلها لما من الله تعالى عليه بالقرآن نهاه عن الرغبة في الدنيا . روي أن سفيان بن عيينة - رحمه الله - تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي : لم يستغن بالقرآن . فتأول هذه الآية . قوله تعالى : { واخفض جناحك } ، لين جناحك { للمؤمنين } ، وارفق بهم ، والجناحان لابن آدم جانباه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق ، اتصل به قوله : { لا تمدن عينيك } أي مداً عظيماً بالتمني والاشتهاء المصمم ، ولذلك ثنى العين احترازاً عن حديث النفس { إلى ما متعنا } أي على عظمتنا { به أزواجاً } أي أصنافاً { منهم } أي أهل الدنيا ؛ أو يقال : إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء ، المؤكد إتيانها في الآية السابقة ، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلاً بذلك ، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم ، وتبين من ذلك علو درجته ، توقع السامع ذكر ما أسبغ عليه من النعم فقال تعالى ؛ أو يقال : إنه لما أمره سبحانه بالصبر على أذاهم ، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه ، وأنه منفرد بالخلق ، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها ، فليس الفعل في الحقيقة إلا له ، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله ، ولما كان التقدير : فهو الذي خلقهم ، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون ، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله { ولقد آتيناك } أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحاً ما تقدم { سبعاً من المثاني } يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة ، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة ، زيادة في حفظها ، وتبركاً بلفظها ، وتذكراً لمعانيها ، تخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه { و } آتيناك { القرآن العظيم } الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى ، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك ، والأدلة القاطعة على رسالتك ، الدالة على الله الموصلة إليه ، والآية مع ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها ، فكأنه قيل : فماذا أعمل ؟ فقيل في معنى { ذرهم يأكلوا } : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه { ولا تحزن عليهم } لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار ، ويقوى بهم جانب الإسلام ، وكأن هذا هو الصفح المأمور به ، وهو الإعراض عنهم أصلاً ورأساً إلا في أمر البلاغ .

ولما أمره في عشرتهم بما أمر ، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم بالرفق واللين فقال تعالى : { واخفض } أي طأطىء { جناحك للمؤمنين * } أي العريقين في هذا الوصف ، واصبر نفسك معهم ، واكتفِ بهم ، فإن الله جاعل فيهم البركة ، وناصرك ومعز دينك بهم ، وغير محوجك إلى غيرهم ، فمن أراد شقوته فلا تلتفت إليهم ، وهذا كناية عن اللين ، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان ؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :

" المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق " .