ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهن ويتسم بسمتهم فقال : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار . { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } في التوارث من الأجانب . { في كتاب الله } في حكمه ، أو في اللوح أو في القرآن واستدل به على توريث ذوي الأرحام . { إن الله بكل شيء عليم } من المواريث والحكمة في إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة ، أولا واعتبار القرابة ثانيا .
وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار ، ممن اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل اللّه . { فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ْ } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم{[360]}
فهذه الموالاة الإيمانية - وقد كانت في أول الإسلام - لها وقع كبير وشأن عظيم ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصارأخوة خاصة ، غير الأخوة الإيمانية العامة ، وحتى كانوا يتوارثون بها ، فأنزل اللّه { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ْ } فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض ، فإن لم يكونوا ، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام ، كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة ، وقوله : { فِي كِتَابِ اللَّهِ ْ } أي : في حكمه وشرعه .
{ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ْ } ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان القسم الرابع من أقسام المؤمنين في العهد النبوى فقال : { والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ . . } .
أى : والذين آمنوا من بعد المؤمنين السابقين إلا الإيمان والهجرة ، وهاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا مع المهاجرين السابقين والأنصار من أجل إعلاء كملة الله ، فأولئك الذين هذا شأنهم { مِنكُمْ } أى : من جملتكم - أيها المهاجرون والأنصار في استحقاق الموالاة والنصرة ، واستحقاق الأجر من الله ، إلا أن هذا الأجر ينقص عن أجركم ، لأنه لا يتساوى السابق في الإِيمان والهجرة والجهاد مع المتأخر في ذلك .
قالوا : والمراد بهذا القسم الرابع من أقسام المؤمنين ، أهل الهجرة الثانية التي وقعت بعد الهجرة الأولى ، وقيل المرد بهذا القسم المهاجرون بعد صلح الحديبية ، أو بعد غزوة بدر ، أو بعد نزول هذه الاية ، فيكون الفعل الماضى { آمَنُواْ } وما بعده بمعنى المستقبل .
وقوله : { وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله . . } بيانا لحقوق الأقارب بالنسب .
والأرحام جمع رحم ، وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد في بطنها ، وسمى به الأقارب ، لأنهم في الغالب من رحم واحدة وأولا الأرحام في اصطلاح علماء الفرائض : هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب .
أى : وذوو القرابة بعضهم أولى في التوارث وفى غير ذلك مما تقتضيه مطالب الحياة من التكافل والتراحم .
وقوله : { فِي كِتَابِ الله } أى : في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين ، وأوجب به عليهم صلة الأرحام في هذه الآية وغيرها .
قال الآلوسى : " أخرج الطيالسى والطبرانى وغيرها عن ابن عباس قال : آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه ، وورث بعضعه من بعض حتى نزلت هذه الآية فتكروا ذلك وتوارثوا بالنسب .
أى أن هذه الآية الكريمة نسخت ما كان بين المهاجرين والانصار من التوارث بسبب الهجرة والمؤاخاة .
وقوله : { إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } تذييل ختمت به السورة الكريمة لحض المؤمنين على التمسك بما اشتملت عليه من آداب وتشريعات وأحكام لينالوا رضاه وثوابه .
أى : إن الله - تعالى - مطلع على كل شئ مما يدور ويجرى في هذا الكون ، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المهاجرين والأنصار مدحا عظيما ، كما مدحت المؤمنين من بعدهم ، وحضت على الجهاد في سبيل الله ، وأمرت بالوفاء بالعهود ، وبالوقوف صفا واحدا في وجه الكفار حتى تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى .
وبعد : فهذا ما وفق الله إليه في تفسيره سورة الأنفال ، أو سورة بدر - كما سماها ابن عباس - لأنها تحدثت باستفاضة عن أحداث هذه الغزوة وعن أحوال المشتركين فيها ، وعن باشارت النصر التي تقدمتها وصاحبتها وعن غنائمها وأسراها .
كما تحدثت عن صافت المؤمنين الصادقين ، وعن الأقوال والأعمال التي يجب عليهم أن يتمسكوا بها لينالوا رضا الله ونصره ، وعن رذائل المشركين ومسالكهم القبيحة لمحاربة الدعوة الاسلامية ، وعن المبادئ التي جيب أن يسير عليهم المسلمون في حربهم وسلمهم ، وعن سنن الله في خلقه التي لا تتغير ولا تتبدل ، والتى من أهمها :
أنه - سبحانه - لا يسلب نعمة عن قوم إلا بسبب معاصيهم وتنكبهم الطريق القويم ، قال - تعالى - :
{ ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وأنه - سبحانه - قد جعل العاقبة الحسنة للمؤمنين ، والعاقبة السيئية للفاسقين ، وأخبر المنمحرفين عن صراطه بأنه سيغفر لهم ما سلف من خطاياهم متى أقلعوا عنها ، وأخلصوا له العبادة .
قال - تعالى - { قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وختاما : نسأل الله - تعالى - أن يوفقنا للمداومة على خدمة كتابه ، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا ، وأن يتم لنا نورنا ويغفر لنا إنه على كل شئ قدير .
قوله تعالى : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأوليك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله إن الله بكل شيء عليم } أي الذين آمنوا بالله ورسوله من بعد الحديبية وبيعة الرضوان ؛ فهؤلاء أقل رتبة ممن هاجر الهجرة الأولى ؛ لأن الثانية وقع فيها الصلح وهدأت الحرب مدة عامين ثم كان فتح مكة . وفي الحديث : ( لا هجرة بعد الفن ) فمن آمن وهاجر بعد ذلك ؛ فإنه يلتحق بالمؤمنين وهم المهاجرين السابقون . وهذا معنى قوله : { فأولئك منكم } أي في النصر والموالاة ؛ فهم بذلك منكم في الولاية ؛ إذ يجب لهم عليكم من الحق والنصرة في الدين مثل الذي يجب لكم عليهم ولبعضكم على بعض .
وقوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } وليس المراد بأولي الأرحام خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة ؛ وإنما يدلون بوارث كالخالة والخال ، والعمة ، وأولاد البنات ، وأولاد الأخوات ونحوهم . بل إن الآية عامة تشمل جميع القرابات . وفيهم ذوو الأرحام بالاسم المخصوص ، على الخلاف في توريث هؤلاء . وفي الجملة : فغن أولي القرابات أولى بالتوارث . وهذا نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة .
أما { أولوا الأرحام } ، وهم من لا سهم لهم في الكتاب الحكيم وليسوا بعصبة كأولاد البنات ، وأولاد الأخوات ، وبنات الأخ ، والعمة ، والخالة ، والعم أخ الأب للأم ، والجد أبي الأم ، والجدة أم الأم ، ومن أولى بهم ، ففي توريث هؤلاء خلاف ؛ فقد قيل : لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام . وهو قول المالكية والشافعية ، وقد روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر ، وهو رواية عن علي ، وهو قول مكحول والأوزاعي . ووجه هذا القول : الاستناد إلى قوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى بعض } وهذا مجمل فيما حصلت فيه الأولوية . فلما قال بعدها : { في كتاب الله } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في سورة النساء ؛ فصارت هذه الأولوية مقيدة بما بينه الله من أحكام ذكرها في كتابه الحكيم . وهذه الأحكام هي ميراث العصبات دون غيرها ؛ فلزم بذلك ألا تتعدى المراد من هذا المجمل إلى توريث دوي الأرحام .
وذهب آخرون من أهل العلم إلى توريث أولي أرحام . وهو قول الحنيفة ، وأحمد وإسحاق ، وقال به من الصحابة : عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة ، وعلي في رواية عنه .
واحتجوا بظاهر هذه الآية : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وقوله تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } واسم القرابة يشمل بإطلاقه ذوي الأرحام .
واحتجوا من السمة بما أخرجه أبو داود والدارقطني عن المقدام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك كلا فإلي ، ومن ترك مالا فلورثته ؛ فأنا وارث من لا وارث له ؛ أعقل عنه وأرثه ؛ والخال وارث من لا وارث له ؛ يعقل عنه ويرثه ) .
وروي الدارقطني عن طاووس قال : قالت عائشة ( رضي الله عنها ) : ( الله مولي من لا مولى له ، والخال وارث من لا وارث له ) . وروي عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخال وارث ) .
واستدلوا بالمعقول على توريث أولى الأرحام فقالوا : إن ذوي الأرحام أولى بالتوريث من المسلمين ؛ لأنهم قد اجتمع لهم سببان وهما القرابة والإسلام ، فأشبهوا تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب ؛ فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام .
قوله : { إن الله بكل شيء عليم } اله عليم بالأشياء ، ما ظهر منها وما بطن . وهو سبحانه أعلم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من أحكام وتشريع . وما شرعه الله لعباده لهو الحق والصواب . وليس فيه شيء من البعث او الباطل{[1704]} .