نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

{ حتى إذا بلغ } {[47285]}في ذلك المسير{[47286]} { مغرب الشمس } أي{[47287]} الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب { وجدها } فيما يحس بحاسة لمسه { تغرب } كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده ، لا حائل بينه وبينه { في عين حمئة } أي ذات حمأة أي طين أسود ، وهي مع ذلك حارة {[47288]}كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس كذلك{[47289]} { و{[47290]}وجد عندها } أي على الساحل المتصل بتلك العين { قوماً } كفاراً {[47291]}لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة{[47292]} ، فكأنه قيل : ماذا أمر فيهم ؟ فأجيب بقوله : { قلنا } {[47293]}بمظهر العظمة{[47294]} : { يا ذا القرنين } إعلاماً بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به ، إما بواسطة الملك إن كان نبياً {[47295]}وهو أظهر الاحتمالات{[47296]} ، أو بواسطة نبي زمانه ، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب ، { إما أن تعذب } أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم { وإما أن تتخذ } {[47297]}أي بغاية جهدك{[47298]} { فيهم حسناً * } أمراً{[47299]} له حسن عظيم ، وذلك هو البداءة بالدعاء ، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه


[47285]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47286]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47287]:في مد: إلى.
[47288]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47289]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47290]:ليست الواو في الأصل فقط.
[47291]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47292]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47293]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47294]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47295]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47296]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47297]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47298]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47299]:من ظ ومد وفي الأصل: أمر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

قوله : ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) ( مغرب الشمس ) يراد به منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع . أما مغيبها في العين الحمئة فإن ذلك في إحساس العين ، تغرب في عين حمئة . وهي الطين الأسود{[2859]} . وهكذا الناظر إلى أفق المغرب يرى الشمس كأنما تغيب في البحر . وقد ذكر القرطبي قول القفال عن بعض العلماء قالوا : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسّها ، لأنها تدور مع السماء حول الأرض{[2860]} من غير أن تلتصق بالأرض . وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض ؛ بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ؛ بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض .

وقال الرازي في هذا الصدد من تأويل هذه الآية : إنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها ، ولا شك أن الشمس في الفلك . وأيضا قال : ( ووجد عندها قوما ) ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود . وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض . إذا ثبت هذا فنقول تأويل قوله : ( تغرب في عين حمئة ) من وجوه :

الوجه الأول : أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر .

الوجه الثاني : أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط بها البحر ، فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار . ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة ؛ فهي حامية ، وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء . فقوله : ( تغرب في عين حمئة ) إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة{[2861]} .

قوله : ( ووجد عندها قوما ) أي وجد عند العين الحمئة أمة من الأمم وكانوا كافرين فخيره الله في قتلهم أو الرفق بهم .

قوله : ( قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) المصدر من قوله : ( أن تعذب ) في موضع نصب بفعل مقدر . وقيل : في موضع رفع على تقدير مبتدأ وخبره محذوف{[2862]} .

ذلك من تمكين الله لذي القرنين ؛ إذ أظفره الله على البلاد وخيّره في هؤلاء القوم بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على كفرهم ، وبين أن يحسن إليهم بالإكرام والرفق والمنّ . وقد قيل ذلك على سبيل الإلهام . لكن ذا القرنين اختار أن يعاملهم بالحق والعدل . وهو قوله : { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا }


[2859]:- مختار الصحاح ص 153.
[2860]:- قوله عن الشمس إنها تدور مع السماء حول الأرض لا يناقض النظريات العلمية الحديثة الثابتة والتي تقول بدوران الأرض حول الشمس؛ فإن الشمس والأرض تتبادلان الدوران. ذلك أن الشمس تدور حول نفسها؛ فهي بذلك في دوران دائم حتى يأذن الله لها بالثبت والتوقف والتكوير يوم القيامة. انسجاما مع قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) وكذلك الأرض فإنها تدور حول نفسها وحول الشمس. فكل من الجرمين دائر في فلكه فسبحان الله ذي الملكوت، بديع السماوات والأرض.
[2861]:- تفسير القرطبي جـ11 ص 49، 50 وتفسير الرازي جـ21 ص 167، 168.
[2862]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 115.