نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على طلب الإدالة{[19059]} عليهم{[19060]} ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى : { ليس لك من الأمر } أي فيهم ولا غيرهم { شيء } موسطاً له بين المتعاطفات ، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما{[19061]} ما تريد ، بل الأمر له كله ، إن أراد فعل بهم ما تريد ، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم{[19062]} على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم ، وذلك معنى قوله : { أو يتوب عليهم } أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم{[19063]} { أو يعذبهم } كلهم بأيديكم{[19064]} بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد ، أو يعذبهم هو من غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم{[19065]} حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم{[19066]} وغيره{[19067]} مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم . ثم علل الأقسام الأربعة بقوله : { فإنهم ظالمون * } وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً{[19068]} عن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية{[19069]} وسهيل بن عمرو و{[19070]}الحارث بن هشام فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } - إلى قوله : { ظالمون } " ورواه{[19071]} موصولاً في المغازي والتفسير{[19072]} والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ ، وفيه " اللهم العن فلاناً وفلاناً " .


[19059]:في ظ: الأدلة.
[19060]:من مد، وفي الأصل وظ: عليه.
[19061]:من مد، وفي الأصل وظ: بهم.
[19062]:من مد، وفي الأصل وظ: أماتهم.
[19063]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[19064]:من مد، وفي الأصل وظ: بأيديهم.
[19065]:في الأصل: إصرارهم ، وفي ظ ومد: إضرارهم.
[19066]:سقط من ظ.
[19067]:سقط من ظ.
[19068]:من مد، وفي الأصل وظ: مطلقا.
[19069]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19070]:سقطت الواو من ظ.
[19071]:في ظ: رواه ـ كذا.
[19072]:سقط من مد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

قوله : ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) روي عن أنس بن مالك في سبب نزول هذه الآية قال : كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد ودكي وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول : " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل الله الآية .

وروي أيضا عن سالم عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " اللهم العن فلانا وفلانا ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن سهيل بن عمرو ، الله العن صفوان بن أمية " فنزلت هذه الآية ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) فتيب عليهم كلهم{[578]} .

قوله : ( أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) كلا الفعلين يتوب ويعذب منصوب لكون كل واحد معطوفا على ( ليقطع ) والتقدير : ليقطع طرفا منهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم . وقيل : ( أو ) هنا بمعنى حتى ، فيكون المعنى : حتى يتوب عليهم وحتى يعذبهم . فالفعل منصوب بأن المضمرة بكعد حتى .

وقيل : ( أو ) بمعنى إلا أن . فتقدير المعنى : إلا أن يتوب عليهم وإلا أن يعذبهم{[579]} ومعنى الآية أنه يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم مبينا له أنه عبد مأمور ينر الناس ويبلغهم دعوة الحق وليس له بعد ذلك من مصير الناس أو مردهم شيء ، بل إن ذلك كله لله ، فهو سبحانه مالك أمر الناس جميعا ، يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو الهزيمة أو التوبة إن أسلموا أو أن يعذبهم ، فإن عذبهم فإنما يعذبهم ؛ لأنهم ظالمون يستحقون التعذيب .

ومما يستقاد في هذا الصدد أن الله نهى نبيه صلى الله عليه و سلم عن لعن القوم أو الدعاء عليهم بالهلاك إشفاء لغليل أو إذهابا لغيظ تراكم من فرط ما فعله المشركون من فضائع الكيد والعدوان على الإسلام والمسلمين ، لكن القلب المؤمن الكبير المتميز الموصول بالله والذي لا يضاهيه قلب في القلوب جميعا ، ما كان ينبغي أن يكون كبقية القلوب لدى الأناسي في ذلك الزمان ولا في غيره من الأزمان . ولكن هذا القلب الذي يفيض بالإيمان وبالغ التقوى لا جرم أن يكون قمينا بالتسامي في الدرجات المعالي من التسامح والرحمة والبر بالخليقة . فهو أجدر أن يستنكف عن لعن القوم أو الدعاء عليهم بالاستئصال والإبادة . ولئن احتمل وغفر وصابر وعفا لسوف يجد في مقبل الأيام أن هؤلاء الأشرار الظلمة قد انقلبوا مؤمنين خيارا بعد أن فاءا إلى الصواب والرشد فباتوا من أشد الغيورين على دعوة الله .


[578]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 80.
[579]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 239 والكشاف جـ 1 ص462.