نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (156)

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم{[19543]} الطاهرة والمحاسن الظاهرة{[19544]} كان الأنسب{[19545]} البداءة بغيره ، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي أظهروا{[19546]} الإقرار بالإيمان{[19547]} ! صدقوا قولكم{[19548]} بأن { لا تكونوا كالذين كفروا } أي بقلوبهم على وجه الستر { وقالوا } أي ما فضحهم { لإخوانهم } أي لأجل إخوانهم الأعزة{[19549]} عليهم نسباً أو مذهباً { إذا ضربوا } أي سافروا مطلق سفر { في الأرض } أي لمتجر أو غيره { أو كانوا غزّى } أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره ، جمع{[19550]} غازٍ ، فماتوا أو قتلوا { لو كانوا عندنا } أي لم يفارقونا { ما ماتوا وما قتلوا } وهذا في غاية التهكم{[19551]} بهم ، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة ، وهو لا يقوله عاقل

ولما كان هذا القول محزناً اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله : " قالوا " وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله{[19552]} : { ليجعل الله } أي الذي لا كفوء له { ذلك } أي القول أو {[19553]}الانفراد به عن مشارك { حسرة في قلوبهم } أي باعتقاده وعدم المواسي فيه ، وعلى تقدير التعليق ب " قالوا " يكون{[19554]} من باب التهكم بهم ، لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده{[19555]} عاقل لكانوا{[19556]} قد قالوه لا لغرض أصلاً ، وذلك أعرق{[19557]} في كونه ليس من أفعال العقلاء { والله } أي لا تكونوا مثلهم{[19558]} والحال .

أو قالوا ذلك والحال . أن الذي له الإحاطة الكاملة { يحيي } أي : من أراد في الوقت الذي يريد{[19559]} { ويميت } أي من أراد إذا أراد ، لا يغني حذره من قدره{[19560]} { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً{[19561]} { بما تعملون } أي بعملكم{[19562]} وبكل {[19563]}شيء منه{[19564]} { بصير * } وعلى كل شيء منه قدير ، لا يكون شيء منه بغير إذنه ، ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه .


[19543]:من مد، وفي الأصل وظ: شيم.
[19544]:زيد من ظ ومد.
[19545]:في ظ: أنسب.
[19546]:في ظ: الإيمان بالاقرار.
[19547]:في ظ: الإيمان بالاقرار.
[19548]:من ظ ومد، وفي الأصل: قولهم.
[19549]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا عزه.
[19550]:من ظ ومد، وفي الأصل: جميع.
[19551]:من مد، وفي الأصل وظ: آلهتكم.
[19552]:سقط من ظ.
[19553]:من ظ ومد، وفي الأصل: "و".
[19554]:من ظ ومد، وفي الأصل: بكونه.
[19555]:ورد بعده في الأصل: والله يحيي ويميت، فرتبناه حسبما ترتب في ظ ومد.
[19556]:سقط من ظ.
[19557]:في ظ: أعرق.
[19558]:في الأصل: لهم، وفي ظ ومد: كهم ـ كذا.
[19559]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19560]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19561]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19562]:من مد، وفي الأصل وظ: بعلمكم.
[19563]:في ظ: منه شيء.
[19564]:في ظ: منه شيء. في ظ: مجيبا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (156)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ) .

البيان الإجمالي لهذه الآية أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار ، فكانوا يقولون في ذلك : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا وربما أفضى ذلك إلى تثبيط بعض المسلمين وفتور هممهم في الجهاد فوقع ما وقع في أحد ؛ من أجل ذلك نهى الله عن أن يقول أحد المؤمنين مثل هذه المقالة المغرضة المريبة . وعلى المؤمنين أن يستيقنوا أن الأجل بيد الله فمن كتب الله له البقاء فلا شك في بقائه إلى أن يشاء الله وإن تكالبت عليه أسباب المنون من كل مكان أو كان الموت أقرب إليه من حبل الوريد . ومن كتب الله له حينونة الأجل فلا مناص ولا محيد عن قدر الله وإن أحاطت بالمرء كل أسباب الحراسة والرعاية أو الاستكنان في غياهب الصياصي والحصون .

قوله : ( لا تكونوا كالذين كفروا ) وهم المنافقون الذين يثيرون الإرجاف بين المؤمنين فيحولون بينهم وبين الجد والعمل سواء في الجهاد أو السعي لطلب الرزق ونحوه .

وقوله : ( وقالوا لإخوانهم ) أي في النفاق أو في النسب وإن كانوا مسلمين . لا جرم أن الأخوة ضروب فمنها الأخوة في الدين والأخوة في الكفر والأخوة في النفاق ثم الأخوة في النسب . ونظير ذلك قوله تعالى : ( وإلى عاد أخاهم هودا ) ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) أما الأخوة في هذه الآية فتحتمل ما كان منها في النفاق وما كان منها في النسب .

قوله : ( إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) الضرب في الأرض معناه السفر للتجارة أو غيرها . و ( غزى ) ، أي غزاة ، ومفرده الغازي ، ويجوز أن يجمع على غزاة{[619]} .

والمعنى أن هؤلاء المنافقين كانوا يقولون عن إخوانهم في النفق أو النسب : ( لو كانوا عندنا ) مقيمين في البلد ( ما ماتوا وما قتلوا ) أي ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو .

قوله : ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) الحسرة بمعنى التلهف والتأسف والندامة . ومعنى الآية أنهم قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليثير الحزن والألم والندامة في قلوب أقاربهم ؛ ذلك أن أقارب المقتول إذا سمعوا مثل هذا الكلام ازدادت الحسرة والحزن والاغتمام في نفوسهم مما يحملهم على الظن أن السبب في موتم هو خروجهم للسفر في تجارة أو من أجل الجهاد . لا جرم أن هذه مدعاة للتثبيط البالغ يلج في نفوس الضعفة من المسلمين ليثنيهم عن الخروج النافع سواء من أجل الارتزاق أو الجهاد في سبيل الله .

قوله : ( والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ) لا مجال للحذر من القدر . فكل ما هو مسطور في علم لا محالة قادم ، ولكل أجل كتاب . وما الحياة والآجال إلا بيد الله وحده ، فهو سبحانه يكتب الحياة للعبد حتى يحين أجله ، وإذا حان لا يبطّئه ضرب في الأرض ولا خوض للوغى أو تقحم للأهوال والمخاطر .

وبعد ذلك يخاطب الله عباده ليحذرهم التحذير المؤثر القارع وليثير في نفوسهم دوام اليقظة والتخوف من بطشه وعذابه ، فإنه سبحانه علام الغيوب بصير بالأعمال ما ظهر منها وما بطن .


[619]:- أنظر لسان العرب 5/ 3254.