نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية ، فكان التقدير : أ{[31026]} فمن كان هكذا{[31027]} كان{[31028]} كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه ، عطف عليه قوله : { أو من كان ميتاً } أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر ، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية { فأحييناه } أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله ، وإن فسد فسد الجسد كله { وجعلنا } أي بعظمتنا على وجه الخصوص { له نوراً } أي بالهداية إلى كل خير { يمشي } مستضيئاً { به في الناس } فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله { كمن مثله } أي الذي يمثل به ، وهو ما ينكشف{[31029]} بوجه الشبه روح لبه و{[31030]} خلاصة حال قلبه ، حال قلبه ، أو يكون المعنى : صفته أنه { في الظلمات } أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر ، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى ، فلذلك قال : { ليس بخارج } أي ذلك المثل { منها } أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت{[31031]} أحب إليه من نفسه وماله ، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة ، و{[31032]} ذلك لأنه{[31033]} زين له عمله ، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله }[ الأنعام : 36 ] وقوله : { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات }[ الأنعام : 39 ] .

ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلاّ تزييناً للقبائح{[31034]} ، فكان حالهم مما يشتد العجب منه ، كان كأنه قيل : لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا{[31035]} أن عاقلاً يرضى ما فعلوه{[31036]} بأنفسهم ، فهل وقع{[31037]} لأحد قط{[31038]} مثل حالهم ؟ فقيل : نعم { كذلك } أي مثل{[31039]} ما زين لهم سوء أعمالهم { زين للكافرين } أي كلهم { ما كانوا } بما جبلناهم{[31040]} عليه { يعملون * } فهم أبداً في الظلمات ، فالآية من الاحتباك : أثبت{[31041]} أولاً كونه في الظلمات دليلاً على تقديره ثانياً ، وثانياً التزيين دليلاً على تقديره أولاً .


[31026]:سقط من ظ.
[31027]:في ظ: هذا.
[31028]:زيد من ظ.
[31029]:في ظ: يكشف.
[31030]:في ظ: أو.
[31031]:في ظ: صار.
[31032]:من ظ، وفي الأصل: لذلك أنه.
[31033]:من ظ، وفي الأصل: لذلك أنه.
[31034]:سقط من ظ.
[31035]:من ظ، وفي الأصل: ما صدقناهم.
[31036]:في ظ: فعله.
[31037]:من ظ، وفي الأصل: لا حط قد- كذا.
[31038]:من ظ، وفي الأصل: لا حط قد- كذا.
[31039]:زيد من ظ.
[31040]:في الأصل و ظ: جعلناهم.
[31041]:في ظ: ثبت.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

قوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } .

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حمزة وأبي جهل ، إذ رمى الرسول بفرث{[1264]} فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، فغضب وعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول : سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا . فقال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم{[1265]} وقيل : نزلت في كل مؤمن وكافر .

الهمزة للاستفهام الإنكاري : وقرأ الجمهور الواو بالفتح . وقرأها بعضهم بالسكون من ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ . والكاف في قوله : { كمن } خبره{[1266]} . والمراد بالميت هنا الكافر ، فقد أحياه الله بالإسلام . وقيل : كان نطفة فأحياه الله بنفخ الروح فيه . والتأويل الأول أولى لإشعار السياق بذلك . فالمقصود التنفير من اتباع المشركين لأنهم على الكفر وهو عين الباطل . وما يتبع الباطل إلا كل عات جحود ، أو عتل مستكبر كنود . فإن الذي يعرض عن دعوة الله ويستنكف عما يهتف به النبيون والمصلحون والدعاة إلى الله الذين يبلغون الناس رسالة الله ، لا جرم أنه صنو الميت . فكللاهما يخرجان من وهدة سحيقة غائرة واحدة . تلك هي وهدة الظلام والجهالة . وهدة التبلد والموات وركود الذهن . وذلكم الموت الذي لا يسفر عن علم ولا نور ولا هداية ، والمراد به هنا الكفر حيث التخبط والظلم والمرض . والمراد بالنور : الهداية . وقيل : القرآن . والمقصود هو نور الحق من الإسلام الذي جعله الله هداية للناس .

قوله : { كمن مثله في الظلمت } مثله ، مبتدأ مرفوع . وخبره في الظلمات . والجملة صلة لمن . والظلمات جمع ظلمة . وقيل : مجاز عن الكفر . والمعنى : أنه لا يستوي من كان كافرا ثم أحياه الله بالإيمان وجعل الله له نورا وهو الإسلام يمشي به في الناس مستنيرا ومهتديا وداعيا إليه الناس – لا يستوي هو والذي في الظلمات سادرا تائها يتخبط لا يهتدي إلى الصواب ولا يعرف أين السبيل . وشأن هذا كالذي يخبط في الظلمة الحالكة ليهيم على وجهه ضائعا متعثرا . شأنه شأن الكافرين الضالين يهيمون في غياهب الكفر على اختلاف أنواعه ، لا جرم أنهما لا يستويان . لا يستوي المؤمن المهتدي والكافر المتعثر الضال . فالمؤمن مطمئن ومستيقن ومستنير . والكافر تائه وحائر وجهول . وعلى هذا فإن المؤمنين الذين أشربت نفوسهم وأذهانهم معاني الإسلام بكل قيمه وتصوراته وموازينه ، لا شك أنهم راضون وماضون في طريقهم المستنير اللاحب . لكن الكافرين على اختلاف نحلهم ومللهم وتصوراتهم أشبه بالمضللين الحيارى السادرين في الظلام الذين لا يجاوزون ضلالهم المنقطع إلا إلى المهالك والشقوة وسوء المصير .

قوله : { ليس بخارج منها } في محل نصب الحال . أي حال الكافر الضال الذي هوى الظلمات فهام على وجهه تائها سادرا لا يعرف كيف الخروج أو الخلاص .

قوله : { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة للمصدر . والتقدير : زين للكافرين مثل ذلك التزيين أي الشيطان لهؤلاء الكافرين أعمالهم من الشرك وعبادة الأصنام وهو قول ابن عباس . وقيل : زين الشيطان للكافرين الكفر فعملوا به كما زين الله الإيمان للمؤمنين فعملوه{[1267]} .


[1264]:- الفرث: السرجين ما جام في الكرش. وجمعه فروث. انظر مختار الصحاح ص 495.
[1265]:- تفسير المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 4 ص 214.
[1266]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص 337.
[1267]:- البيان للطوسي ج 4 ص 260 وتفسير البغوي ج 2 ص 28.