نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئاً بعد الموت{[30449]} أو يفهم كلاماً ، وكان التقدير كما دل عليه السياق : فتتوفاهم الملائكة ، لا يقدر أحد على منعهم ، فيقول لهم : قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس{[30450]} فيه مهل ، عطف عليه قوله مشيراً إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال : { ولقد جئتمونا } أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعاً ، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت{[30451]} قوله{[30452]} : { فرادى } أي متفرقين ، ليس{[30453]} أحد منكم مع أحد ، ومنفردين{[30454]} على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا { كما خلقناكم } أي بتلك العَظمة التي{[30455]} أمتناكم بها بعينها { أول مرة } في الانفراد والضعف والفقر ، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون ! { وتركتم ما خولناكم } أي ملكناكم{[30456]} من المال ومكناكم{[30457]} من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا{[30458]} به إلى رضانا ، فظننتم أنه لكم بالأصالة ، وأعرضتم عنا و{[30459]} بدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا{[30460]} { وراء ظهوركم } فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون .

ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة ، ويرجون شفاعتها ، إما استهزاء ، وإما في الدنيا ، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث ، قال تهكماً بهم واستهزاء بشأنهم{[30461]} : { وما نرى معكم شفعاءكم } أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون { الذين زعمتم } أي كذباً وجراءة{[30462]} وفجوراً { أنهم فيكم شركاء } أي أن لهم فيكم نصيباً مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة ، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب ؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب{[30463]} حيرة وعجزاً ودهشاً وذلاً بقوله : { لقد تقطع } أي تقطعاً كثيراً .

ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه{[30464]} في الجملة وحضوره ولو في الذهن ، لأنه يقال : بيني وبين كذا كذا ، وكان فلان بيننا ، ونحو ذلك مما يدل على الحضور ؛ قال منبهاً على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور{[30465]} في الذهن{[30466]} لشدة الاشتغال { بينكم } فأسند القطع المبالغ فيه{[30467]} إلى البين ، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب{[30468]} الاتصال ، فلم يبق لأحد منهم اتصال بالآخر{[30469]} ، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين ، فلا يتأتى معه الوصول ، هذا على قراءة الجماعة بالرفع ، وهذا المثال{[30470]} معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية ؛ ولما رجع المعنى إلى{[30471]} تقطع الوصل ، بين سبب ذلك ، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال : { وضل عنكم } أي ذهب وبطل { ما كنتم تزعمون * } أي من تلك الأباطيل كلها .


[30449]:زيد من ظ.
[30450]:سقط من ظ.
[30451]:من ظ، وفي الأصل: الموت.
[30452]:في ظ: بقوله.
[30453]:زيد من ظ.
[30454]:في ظ: متفرقين.
[30455]:في ظ: الذي.
[30456]:من ظ، وفي الأصل: مكناكم.
[30457]:في ظ: ملكناكم.
[30458]:من ظ، وفي الأصل: ليتواصلوا.
[30459]:زيد من ظ.
[30460]:في ظ: ما فيه أمرنا- كذا.
[30461]:في ظ: لشانكم.
[30462]:من ظ، وفي الأصل: جراء.
[30463]:في ظ: الموعب.
[30464]:من ظ، وفي الأصل: قوته.
[30465]:في ظ: الحضور.
[30466]:من ظ، وفي الأصل: النصر.
[30467]:سقط من ظ.
[30468]:في ظ: سبب.
[30469]:من ظ، وفي الأصل: بالأخرى.
[30470]:من ظ، وفي الأصل: المسالك- كذا.
[30471]:سقط من ظ.
 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون

ويقال لهم إذا بعثوا [ ولقد جئتمونا فرادى ] منفردين عن الأهل والمال والولد [ كما خلقناكم أول مرة ] أي حفاةً عراةً غُرْلاً [ وتركتم ما خولناكم ] أعطيناكم من الأموال [ وراء ظهوركم ] في الدنيا بغير اختياركم ويقال لهم توبيخاً [ وما نرى معكم شفعاءكم ] الأصنام [ الذين زعمتم أنهم فيكم ] أي في استحقاق عبادتكم [ شركاء ] لله [ لقد تقطع بينكم ] وصلكم ، أي تشتت جمعكم وفي قراءة بالنصب ظرف أي وصلكم بينكم [ وضل ] ذهب [ عنكم ما كنتم تزعمون ] في الدنيا في شفاعتها

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

قوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } فرادى في محل نصب حال . ولا ينصرف ، لأن في آخره ألف التأنيث . وفرادى جمع ومفرده فردان . مثل سكارى وسكران . وكسالى وكسلان ، وقيل : فرادى جمع فريد . وقيل : جمع وواحده : فرد . والكاف في { كما } في محل نصب وصف لمصدر محذوف . وتقديره : لقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة{[1219]} والمعنى : أنكم جئتمونا إلى الحشر وحدانا . أي واحدا واحدا ليس معكم مال ولا أعوان ولا شفعاء بل جئتمونا حفاة عراة غرُلا كما خرجتم من بطون أمهاتكم ليس معكم شيء ، لا أهل ولا ولد ولا ناصر .

قوله : { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } خولناكم : أعطيناكم وملكناكم . خوله الله الشيء تخويلا ، ملكه إياه {[1220]} أي تركتم ما ملكناكم وما أعطيناكموه في الدنيا من المال والخدم وأصناف الخير والنعم التي شغلتم بها أنفسكم عن الآخرة . لقد تركتم ذلك كله خلفكم وجئتمونا اليوم آحادا بغير شيء تملكونه أو ينفعكم .

قوله : { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركؤا } نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث لقيله إن اللات والعزى يشفعان له عند الله يوم القيامة وقيل : كان ذلك قول سائر عبدة الأوثان . فرد الله بهذه الآية مقالتهم الباطلة وظنهم الواهم الكاذب بما يقرعهم تقريعا ويوبخهم توبيخا زيادة في التنكيل والتغليظ بهم . والمعنى أنكم أيها المشركون الظالمون الذين كنتم تتشبثون بشفاعة الأصنام لكم ، ها أنتم جئتمونا فرادى حيارى وجلين وليس معكم من نصير ولا شفيع يدرأ عنكم العذاب . ولم نر معكم أصنامكم التي اتخذتموها في الدنيا شركاء لله فعبدتموها وظننتم كاذبين أنها لكم شفعاء إذا ما قامت القيامة .

قوله : { لقد تقطع ببينكم } أي تقطع بينكم وصلكم . فوقع التهاجر والتقاطع بينكم وبين شركائكم الأصنام ، إذ تبرأوا منكم . وذهب ما كان بينكم من تواصل وتواد .

قوله : { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } أي ضاع وذهب عنكم شركاؤكم من الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم منجوكم وأنهم لكم شفعاء . فيومئذ لا ينفعوكم ولا يشفعون لكم . وليس إذ ذاك إلا النار وبئس القرار ، ولات حين مندم ولا شفاعة ولا مناص{[1221]} .


[1219]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 332.
[1220]:- تفسير الطبري ج 7 ص 184- 186 وروح المعان ج 7 ص 224- 226، وتفسر الرازي ج 13 ص 191- 193.
[1221]:- تفسير الطبري ج 7 ص 184- 186 وروح المعاني ج 7 ص 224- 226 وتفسير الرازي ج 13 ص 191- 193.