نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (153)

ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره{[19449]} فقال : { إذ } أي{[19450]} صرفكم وعفا عنكم حين { تصعدون } أي تزيلون{[19451]} الصعود فتنحدرون{[19452]} نحو المدينة ، أو{[19453]} تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل{[19454]} { ولا تلوون } أي تعطفون { على أحد } أي من قريب ولا بعيد { والرسول } أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه{[19455]} إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية { يدعوكم في أخراكم } أي ساقتكم{[19456]} وجماعتكم الأخرى ، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له ، يقول كلما{[19457]} مرت{[19458]} عليه جماعة{[19459]} منهزمة{[19460]} : " إليّ عباد الله ! أنا رسول الله ! {[19461]}إليّ إليّ{[19462]} عباد الله " كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدماً ؛ وإنما قلت : إن{[19463]} معنى ذلك الانهزام ، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى ، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال ، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم{[19464]} الرسول في أخراهم ، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً .

ولما تسبب{[19465]} عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : { فأثابكم } أي جعل لكم ربكم ثواباً { غماً } أي باعتقادكم قتل{[19466]} الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً { بغم } أي كان حصل لكم من القتل{[19467]} والجراح والهزيمة ، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور{[19468]} حين تبين{[19469]} أنه خبر كاذب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سالم{[19470]} حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم{[19471]} مصيبة ، فهو{[19472]} من الدواء بالداء ، ثم علله بقوله : { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي من النصر والغنيمة { ولا ما أصابكم } أي {[19473]}من القتل{[19474]} والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولما قص{[19475]} سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم - : { والله } أي المحيط علماً وقدرة { خبير بما تعملون * } أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها ، وبما{[19476]} يصلح من جزائه ودوائه ، فتارة يداوي الداء{[19477]} بالداء وتارة بالدواء ، لأنه الفاعل القادر المختار .


[19449]:من مد، وفي الأصل وظ: صورة.
[19450]:زيد من مد.
[19451]:في ظ: تزيدون.
[19452]:في ظ: فينحدون.
[19453]:في ظ "و".
[19454]:من مد، وفي الأصل وظ: الفعل.
[19455]:في ظ: فتجيبون.
[19456]:في ظ: ساقيكم.
[19457]:في ظ: فلما.
[19458]:في مد: مر.
[19459]:سقط من ظ.
[19460]:من ظ ومد، وفي الأصل: منهزمين.
[19461]:في ظ: إلى أي، وفي مد: أين أي.
[19462]:في ظ: إلى أي، وفي مد: أين أي.
[19463]:في مد: إنما.
[19464]:في ظ: تدعوهم.
[19465]:في ظ: نسب.
[19466]:في ظ: قبل.
[19467]:من ظ ومد، وفي الًأصل: القتال.
[19468]:في ظ: حتي يتبين.
[19469]:في ظ: حتى يتبين.
[19470]:من ظ: ومد، وفي الأصل: سالما.
[19471]:من ظ ومد، وفي الًأصل: لم تصبه.
[19472]:سقط من ظ.
[19473]:في ظ: بالقتل.
[19474]:في ظ: بالقتل.
[19475]:من ظ ومد، وفي الًأصل: قصد.
[19476]:في ظ: ما.
[19477]:من ظ ومد، وفي الًأصل: ألد ـ كذا.