نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (10)

ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة ، قبح عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون{[58646]} بهم يسألونهم عنه من أهل الكتاب فقال تعالى : { قل أرءيتم } أي أخبروني {[58647]}وبينوا لي وأقيموا ولو ببعض حجة أو برهان{[58648]} { إن كان } أي هذا الذي{[58649]} يوحى إليّ وآتيكم به وأنذركم وأعلمكم أنه من الله فإنه { من عند الله } أي الملك الأعظم .

ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم ، بل شأنهم تغطية المعارف والعلوم ، عطف بالواو الدالة على مطلق الجمع الشامل لمقارنة الأمرين المجموعين من غير مهلة{[58650]} فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال-{[58651]} : { وكفرتم به } أي على هذا التقدير { وشهد شاهد } أي واحد وأكثر { من بني إسرائيل } الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم { على مثله } أي مثل ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن ، ومن أشرك فقد كفر ، وأن الله أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم ، فطابقت عليه كتبهم ، وتظافرت به رسلهم ، وتواترت على الدعاء إليه-{[58652]} والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام ، ثم سبب عن شهادته وعقب وفصل فقال : { فآمن } أي هذا الذي شهد هذه الشهادة بهذا القرآن عندما رآه{[58653]} مصدقاً لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم ، فاهتدى إلى وضع الشيء في محله فوضعه ولم يستكبر .

ولما كان الحامل لهم-{[58654]} بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو الشماخة والأنفة قال : { واستكبرتم } أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة ، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة أصلاً فضللتم فكفرتم-{[58655]} فوضعتم الشيء في غير موضعه{[58656]} فانسد عليكم باب الهداية .

ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم ، وكان من رد شهادة الخالق والخلق ظالماً شديد الظلم ، فكان ضالاً على علم ، قال الله تعالى {[58657]}مستأنفاً دالاً{[58658]} على أن تقدير الجواب : أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ظلماً عظيماً بوضع الكفران موضع الإيمان ، فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل على عمد { إن الله } أي الملك الأعظم ذا العزة والحكمة { لا يهدي القوم } أي الذين لهم قدرة على القيام بما يريدون محاولته { الظالمين * } أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير مواضعها ، فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه{[58659]} لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه ضلالكم ، أما من كان {[58660]}منكم عالماً{[58661]} فالأمر فيه واضح ، وأما من كان منكم{[58662]} جاهلاً فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى ، وقال الحسن - كما نقله البغوي{[58663]} - الجواب : فمن أضل منكم كما قال في " فصلت "

( قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد }[ فصلت : 52 ] فالآية من الاحتباك : ذكر الإيمان أولاً دليلاً على ضده ثانياً ، والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانياً دليلاً على أضدادها أولاً ، وسره أنه شكر سببي السعادة ترغيباً وترهيباً .


[58646]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: يثبتون.
[58647]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد.
[58648]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد.
[58649]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد.
[58650]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: مهملة.
[58651]:زيد من ظ و م ومد.
[58652]:زيد من م ومد.
[58653]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: را.
[58654]:زيد من م ومد.
[58655]:زيد من م ومد.
[58656]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: محله.
[58657]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: دالا مستأنفا.
[58658]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: دالا مستأنفا.
[58659]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لأجل أنه.
[58660]:من م، وفي الأصل و ظ: مثلكم، وفي مد: منهم عالما.
[58661]:من م، وفي الأصل و ظ: مثلكم، وفي مد: منهم عالما.
[58662]:سقط من م ومد.
[58663]:راجع معالم التنزيل بهامش لباب التأويل6/132.