الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَـٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (174)

قوله تعالى : { مِنَ الْكِتَابِ } : في محلِّ نصبٍ على الحالِ ، وفي صاحبِها وجهان ، أحدُهما : أنه العائدُ على الموصولِ ، تقديرُه : أنزله اللهُ حالَ كونِه من الكتابِ ، فالعاملُ فيه " أَنْزَلَ " ، والثاني : أنه الموصولُ نفسه ، فالعاملُ في الحالِ " يكتمون " .

قوله : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ } الضميرُ في " به " يُحْتَمَلُ أن يعودَ على " ما " الموصولةِ ، وأَنْ يعودَ على الكَتْمِ المفهومِ من قولِه : " يكتمون " وأَنْ يعودَ على الكتابِ ، أظهرها أوَّلُها ، ويكونُ ذلك على حَذْفِ مضافٍ ، أي : يشترون بكَتْمِ ما أَنْزل .

قوله : { إِلاَّ النَّارَ } استثناءٌ مفرغٌ ؛ لأن قبلَه عاملاً يَطلُبه ، وهذا من مجاز الكلام ، جَعَل ما هو سببٌ للنار كقولِهم : " أكل فلانٌ الدمَ " يريدون الدِّية التي بسببها الدمُ ، قال :

فلو أَنَّ حَيَّاً يقبلُ المالَ فِدْيةً *** لَسُقْنا إليه المالَ كالسيلِ مُفْعَما

ولكنْ أبى قومٌ أُصيب أخوهمُ *** رِضا العارِ واختاروا على اللبنِ الدِّما

وقال :

أَكَلْتُ دماً إنْ لم أَرْعُكِ بِضَرَّةٍ *** بعيدةِ مَهْوى القِرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

وقال :

يَأْكُلْن كَلَّ ليلةٍ إكافا *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يريد : ثمن إكاف .

وقوله : { فِي بُطُونِهِمْ } يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه ، أظهرُها : أَنْ يتعلَّقَ بقولِه : " يأكلون " فهو ظرفٌ له . قال أبو البقاء : " وفيه حَذْفُ مضافٍ أي طريق بطونهم ، ولا حاجةَ إلى ما قاله من التقدير . والثاني : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من النارِ . قال أبو البقاء : " والأجْوَدُ أن تكونَ الحالُ هنا مقدرةً لأنها وقتَ الأكلِ ليسَتْ في بطونِهم ، وإنما تَؤُولُ إلى ذلك ، والتقدير ، ثابتةً أو كائنةً في بطونهم قال : " وَيَلْزَمُ من هذا تقديمُ الحالِ على حرف الاستثناءِ وهو ضعيفٌ ، إلا أن يُجْعَلَ المفعولُ محذوفاً ، و " في بطونِهم " حالاً من أو صفةً له ، أي : في بطونهم شيئاً يعني فيكونُ " إلا النار " منصوباً على الاستثناءِ التام ، لأنه مستثنى من ذلك المحذوفِ . إلا أنه قال بعد ذلك " وهذا الكلامُ في المعنى على المجازِ ، وللإِعرابِ حكمُ اللفظ . والثالثُ : أن يكونَ صفةً أو حالاً من مفعول " كُلوا " محذوفاً كما تقدَّم تقريرُه .