الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ} (83)

قوله تعالى : { فَإِن رَّجَعَكَ } : " رجع " يتعدى ، كهذه الآية الكريمة ، ومصدرُه الرَّجْع ، كقوله : { وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } [ الطارق : 11 ] ، ولا يتعدى نحو : { وَإِلَيْنَا تُرْجِعُونَ } [ الأنبياء : 35 ] ، في قراءة مَنْ بناه للفاعل ، والمصدر الرجوع كالدخول .

قوله : { أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، قد تقدَّم ذلك . وقال أبو البقاء : " هي ظرفٌ " ، قال الشيخ : " ويعني ظرفَ زمان وهو بعيد " . / لأن الظاهرَ أنها منصوبةٌ على المصدر ، وفي التفسير : أولَ خَرْجَةٍ خَرَجَها رسول الله ، فالمعنى : أولَ مرة من الخروج . قال الزمخشري : " فإن قلت " مرة " نكرة وُضِعَتْ موضع المرات من التفضيل ، فلِمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيلِ المضافُ إليها وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرات ؟ قلت : أكثر اللغتين : " هند أكبرُ النساء وهي أكبرُهن " ، ثم إنَّ قولَك : " هي كبرى امرأة " ، لا تكاد تعثر عليه ، ولكن " هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة " .

قوله : { مَعَ الْخَالِفِينَ } هذا الظرفُ يجوز أن يكونَ متعلقاً ب " اقعدوا " ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ لأنه حال من فاعل " اقعدوا " . والخالِفُ : المتخلِّفُ بعد القوم . وقيل : الخالف : الفاسد . " مَنْ خَلَفَ " ، أي : فَسَد ، ومنه " خُلوف فم الصائم " ، والمراد بهم النساءُ والصبيانُ والرجالُ العاجزون ، فلذلك جاز جمعُه للتغليب . وقال قتادة : " الخالِفُون : النساء " ، وهو مردودٌ لأجل الجمع . وقرأ عكرمة ومالكُ بن دينار " مع الخَلِفين " مقصوراً مِنَ الخالِفين كقوله :

2523 مثل النَّقَا لَبَّده بَرْدُ الظِّلَلْ ***

وقوله :

2524 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَرِدا *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . بَرِدا

يريد :الظلال وعارِداً بارداً .