البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ} (66)

{ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } .

المناسبة ظاهرة في هذه الآية لما ذكرأن العزة له تعالى وهي القهر والغلبة ، ذكر ما يناسب القهر وهو كون المخلوقات ملكاً له تعالى ، ومن الأصل فيها أن تكون للعقلاء ، وهنا هي شاملة لهم ولغيرهم على حكم التغليب ، وحيث جيء بما كان تغليباً للكثرة إذ أكثر المخلوقات لا تعقل .

وقال الزمخشري : يعني العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان ، وإنما خصهم ليؤذن أنّ هؤلاء إذا كانوا له في ملكه فهم عبيد كلهم ، لا يصلح أحد منهم للربوبية ، ولا أن يكون شريكاً فيها ، فما دونهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون نداً وشريكاً .

ويدل على أنّ من اتخذ غيره رباً من ملك أو إنسي فضلا عن صنم أو غير ذلك ، فهو مبطل تابع لما أدّى إليه التقليد وترك النظر .

والظاهر أنّ ما نافية ، وشركاء مفعول يتبع ، ومفعول يدعون محذوف لفهم المعنى تقديره : آلهة أو شركاء أي : أنّ الذين جعلوهم آلهة وأشركوهم مع الله في الربوبية ليسوا شركاء حقيقة ، إذ الشركة في الألوهية مستحيلة ، وإن كانوا قد أطلقوا عليهم اسم الشركاء .

وجوزوا أن تكون ما استفهامية في موضع نصب بيتبع ، وشركاء منصوب بيدعون أي : وأي شيء يتبع على تحقير المتبع ، كأنه قيل : من يدعو شريكاً لله لا يتبع شيئاً .

وأجاز الزمخشري أن تكون ما موصولة عطفاً على من ، والعائد محذوف أي : والذي يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي : وله شركاؤهم .

وأجاز غيره أن تكون ما موصولة في موضع رفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره : والذي يتبعه المشركون باطل .

وقرأ السلمي : تدعون بالتاء على الخطاب .

قال ابن عطية : وهي قراءة غير متجهة .

وقال الزمخشري : وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه تدعون بالتاء ، ووجهه أن يحمل وما يتبع على الاستفهام أي : وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ، يعني : أنهم يبتعون الله تعالى ويطيعونه ، فما لكم لا تفعلون فعلهم كقوله تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } انتهى .

وأنّ نافية أي : ما يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء .

ويخرصون : يقدرون .

ومن قرأ تدعون بالتاء كان قوله : إن يتبعون التفاتاً ، إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة .