البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (31)

قال ابن عطية : وكم هنا خبرية ، وأنهم بدل منها ، والرؤية رؤية البصر . انتهى .

فهذا لا يصح ، لأنها إذا كانت خبرية فهي في موضع نصب بأهلكنا ، ولا يسوغ فيها إلا ذلك .

وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون أنهم بدل منها ، لأن البدل على نية تكرار العامل ، ولو سلطت أهلكنا على أنهم لم يصح .

ألا ترى أنك لو قلت أهلكنا انتفاء رجوعهم ، أو أهلكنا كونهم لا يرجعون ، لم يكن كلاماً ؟ لكن ابن عطية توهم أن يروا مفعوله كم ، فتوهم أن قولهم أنهم لا يرجعون بدل ، لأنه يسوغ أن يتسلط عليه فتقول : ألم يروا أنهم لا يرجعون ؟ وهذا وأمثاله دليل على ضعفه في علم العربية .

وقال الزجاج : هو بدل من الجملة ، والمعنى : ألم يروا أن القرون التي أهلكناها إليهم لا يرجعون ، لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى النهي .

وهذا الذي قاله الزجاج ليس بشيء ، لأنه ليس بدلاً صناعياً ، وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صنعة النحو .

وقال أبو البقاء : أنهم إليهم .

انتهى ، وليس بشيء ، لأن كم ليس بمعمول ليروا .

ونقل عن الفراء أنه يعمل يروا في الجملتين من غير إبدال ، وقولهم في الجملتين تجوز ، لأن أنهم وما بعده ليس بجملة ، ولم يبين كيفية هذا العمل .

وقال الزمخشري : { ألم يروا } : ألم يعلموا ، وهو معلق عن العمل في كم ، لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر ، لأن أصلها الاستفهام ، إلا أن معناها نافذ في الجملة ، كما نفذ في قولك : ألم يروا أن زيداً لمنطلق ؟ وأن لم تعمل في لفظه .

و { أنهم إليهم لا يرجعون } بدل من { أهلكنا } على المعنى لا على اللفظ تقديره : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم ؟ انتهى .

فجعل يروا بمعنى يعلموا ، وعلقها على العمل في كم .

وقوله : لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها ، كانت للاستفهام أو للخبر ، وهذا ليس على إطلاقه ، لأن العامل إذا كان حرف جر أو اسماً مضافاً جاز أن يعمل فيها ، نحوكم على : كم جذع بيتك ؟ وأين : كم رئيس صحبت ؟ وعلى : كم فقير تصدّقت ؟ أرجو الثواب ، وأين : كم شهيد في سبيل الله أحسنت إليه ؟ وقوله : أو للخبر الخبرية فيها لغتان : الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار واللغة الأخرى ، حكاها الأخفش ؛ يقولون فيها : ملكت كم غلام ؟ أي ملكت كثيراً من الغلمان .

فكما يجوز أن يتقدم العامل على كثير ، كذلك يجوز أن يتقدم على كم لأنها بمعناها .

وقوله : لأن أصلها الاستفهام ، ليس أصلها الاستفهام ، بل كل واحدة أصل في بابها ، لكنها لفظ مشترك بين الاستفهام والخبر .

وقوله : إلا أن معناها نافذ في الجملة ، يعني معنى يروا نافذ في الجملة ، لأن جعلها معلقة ، وشرح يروا بيعلموا .

وقوله : كما تقدم في قولك : ألم يروا أن زيداً لمنطلق ؟ فإن زيداً لمنطلق معمول من حيث المعنى ليروا ، ولو كان عاملاً من حيث اللفظ لم تدخل اللام ، وكانت أن مفتوحة ، فإن وفي خبرها اللام من الأدوات التي تعلق أفعال القلوب .

وقوله : و { أنهم لا يرجعون } إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلاً ، لا على اللفظ ولا على المعنى .

أما على اللفظ فإنه زعم أن يروا معلقة ، فيكون كم استفهاماً ، وهو معمول لأهلكنا ، وأهلكنا لا يتسلط على { أنهم إليهم لا يرجعون } ، وتقدّم لنا ذلك .

وأما على المعنى ، فلا يصح أيضاً ، لأنه قال تقديره ، أي على المعنى : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم ؟ فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك ، فلا يكون بدل كل من كل ، ولا بعضاً من الإهلاك ، ولا يكون بدل بعض من كل ، ولا يكون بدل اشتمال ، لأن بدل الاشتمال يصح أن يضاف إلى ما أبدل منه ، وكذلك بدل بعض من كل ، وهذا لا يصح هنا .

لا تقول : ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم ، وفي بدل الاشتمال نحو : أعجبني الجارية ملاحتها ، وسرق زيد ثوبه ، يصح أعجبني ملاحة الجارية ، وسرق ثوب زيد ، وتقدم لنا الكلام على إعراب مثل هذه الجملة في قوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } في سورة الأنعام .

والذي تقتضيه صناعة العربية أن أنهم معمول لمحذوف ، ودل عليه المعنى ، وتقديره : قضينا أو حكمنا { أنهم إليهم لا يرجعون } .

وقرأ ابن عباس والحسن : إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف ، وقطع الجملة عن ما قبلها من جهة الإعراب ، ودل ذلك على أن قراءة الفتح مقطوعة عن ما قبلها من جهة الإعراب لتتفق القراءتان ولا تختلفا .

والضمير في أنهم عائد على معنى كم ، وهم القرون ، وإليهم عائد على من أسند إليه يروا ، وهم قريش ؛ فالمعنى : أنهم لا يرجعون إلى من في الدنيا .

وقيل : الضمير في أنهم عائد على من أسند إليه يروا ، وفي إليهم عائد على المهلكين ، والمعنى : أن الباقين لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة ، أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم ، والإهلاك مع قطع النسل أتم وأعم .

وقرأ عبد الله : ألم يروا من أهلكنا ، وأنهم على هذا بدل اشتمال ؛ وفي قولهم : أنهم لا يرجعون ، رد على القائلين بالرجعة .

وقيل لابن عباس : إن قوماً يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال : ليس القوم نحن إذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه .