البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ} (39)

العرجون : عود العذق من بين الشمراخ إلى منبته من النخلة . وقال الزجاج : هو فعلون من الانعراج ، وهو الانعطاف .

{ والقمر } : بالرفع على الابتداء ؛ وباقي السبعة : بالنصب على الاشتغال .

و { قدرناه } على حذف مضاف ، أي قدرنا سيره ، و { منازل } : طرف ، أي منازله ؛ وقيل : قدرنا نوره في منازل ، فيزيد مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية وينقص في المنازل الاستقبالية .

وقيل : قدرناه : جعلنا أنه أجري جريه عكس منازل أنوار الشمس ، ولا يحتاج إلى حذف حرف الصفة ، فإن جرم القمر مظلم ، ينزل فيه النور لقبوله عكس ضياء الشمس ، مثل المرأة المجلوة إذا قوبل بها الشعاع .

وهذه المنازل معروفة عند العرب ، وهي ثمانية وعشرون منزلة ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها ، لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، على تقدير مستولا بتفاوت ، يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين ، ثم يسير ليلتين إذا نقص الشهر ، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة ، وهي : الشرطين ، البطين ، الثريا ، الدبوان ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ، النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الدبرة ، الصرفة ، العواء ، السماك ، العفر ، الزباني ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، فرع الدلو المقدم ، فرع الدلو المؤخر ، بطن الحوت ، ويقال له الرشاء ، فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس واصفر ، فشبه بالعرجون القديم من ثلاثة الأوجه .

وقرأ سليمان التيمي : كالعِرجون ، بكسر العين وفتح الجيم ؛ والجمهور : بضمها ، وهما لغتان كالبريون .

و { القديم } : ما مر عليه زمان طويل .

وقيل : أقل عدة الموصوف بالقدم حول ، فلو قال رجل : كل مملوك لي قديم فهو حر ، أو كتب ذلك في وصية ، عتق منهم من مضى له حول وأكثر . انتهى .

والقدم أمر نسبي ، وقد يطلق على ما ليس له سنة ولا سنتان ، فلا يقال العالم قديم ، وإنما تعتبر العادة في ذلك .