{ ومن الناس } : أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث بن كلدة حليف قريش .
{ لهو الحديث } : أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء .
{ ليضل عن سبيل الله } : أي ليصرف الناس عن الإِسلام ويبعدهم عنه فيضلوا .
{ ويتخذها هزواً } : أي ويتخذ الإِسلام وشرائعه وكتابه هزوا أي مهزوءاً به مسخوراً منه .
لما ذكر تعالى عباده المحسنين وأثنى عليهم بخير وبشرهم بالفلاح والفوز المبين ذكر صنفا آخر على النقيض من الصنف الأول الكريم فقال : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث الكلدي حليف قريش يشتري لهو الحديث أي الغناء إذ كان يشترى الجواري المغنيات ويفتح ناديا للهو والمجون ويدعو الناس إلى ذلك ليصرفهم عن الإِسلام حتى لا يجلسوا إلى نبيّه ولا يقرأوا كتابه بغير علم منه بعاقبة صنيعه وما يكسبه من خزي وعار وعذاب النار . وقوله { ويتخذها هزوا } أي يتخذ سبيل الله التي هي الإِسلام هزواً أي شيئا مهزوءاً به مسخوراً منه بما في ذلك الرسول والمؤمنون والآيات الكلّ يهزأ به ويسخر منه لجهله وظلمة نفسه . قال تعالى { أولئك } لهم عذاب مهين أي أولئك البعداء وهم كل من يشترى الغناء يغني به نساء ورجال أو آلات ممن اتخذوا الاسم وشرائعه هزواً وسخرية ليصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله الموصلة إلى رضاه ومحبته وجنّته . أولئك مَنْ تِلك صفتهم لهم عذاب مهين بكسر أنوفهم وبذلهم يوم القيامة .
- حرمة غناء النساء للرجال الأجانب .
- حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والأسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال .
- حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه .
قوله تعالى : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية . قال الكلبي ، ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم فيحدث بها قريشاً ، ويقول : إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فأنزل الله هذه الآية . وقال مجاهد : يعني شراء القيان والمغنين ، ووجه الكلام على هذا التأويل : من يشتري ذات أو ذا لهو الحديث .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزني ، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أنبأنا علي بن حجر ، أنبأنا مشمعل بن ملحان الطائي ، عن مطرح بن يزيد ، عن عبد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام ، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ليضل عن سبيل الله وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب ، والآخر على هذا المنكب ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت " .
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال ، أنبأنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي ، أنبأنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي ، أنبأنا محمد بن غالب بن تمام ، أنبأنا خالد بن مرثد ، أنبأنا حماد بن زيد ، عن هشام هو ابن حسان ، عن محمد هو ابن سيرين ، عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة " . قال مكحول : من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه ، إن الله يقول : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية . وعن عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير قالوا : لهو الحديث هو الغناء ، والآية نزلت فيه . ومعنى قوله : { يشتري لهو الحديث } أي : يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، قال أبو الصهباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات . وقال إبراهيم النخعي : الغناء ينبت النفاق في القلب ، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف . وقيل : الغناء رقية الزنا . وقال ابن جريج : هو الطبل . وعن الضحاك قال : هو الشرك . وقال قتادة : هو كل لهو ولعب . { ليضل عن سبيل الله بغير علم } أي : يفعله عن جهل . قال قتادة : بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق . قوله تعالى : { ويتخذها هزواً } قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب : { ويتخذها } بنصب الذال عطفاً على قوله : ليضل ، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله : يشتري . { أولئك لهم عذاب مهين* وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم* إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم* خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم* }
ولما كان فطم النفس عن الشهوات . أعظم هدى قائد{[53629]} إلى حصول المرادات ، وكان اتباعها{[53630]} الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات ، وكان في ختام الروم أن{[53631]} من وقف مع الموهومات عن طلب المعلومات مطبوع على قلبه ، وكان ما دعا إليه الكتاب هو{[53632]} الحكمة التي نتيجتها الفوز ، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة ، بوضع الأشياء في غير مواضعها ، المثمر للعطب{[53633]} ، قال تعالى معجباً ممن يترك الجد إلى اللهو ، ويعدل
عن{[53634]} جوهر العلم إلى صدق{[53635]} السهو ، عاطفاً على ما تقديره : فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة{[53636]} أهل الكمال : { ومن } ويمكن أن يكون حالاً من فاعل الإشارة . أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم حال كونه هدى لمن ذكر والحال أن من { الناس } أي الذين هم في أدنى رتبة{[53637]} الإحساس ، لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان ، فضلاً عن مقام أولي الإحسان .
ولما كان التقدير : من يسير بغير هذا السير ، فيقطع{[53638]} نفسه عن كل خير ، عبر عنه بقوله : { من يشتري } أي{[53639]} غير مهتد{[53640]} بالكتاب ولا مرحوم{[53641]} به { لهو الحديث } أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها{[53642]} الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه ، فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة إلى مجرد الطبع البهيمي فيدعوها إلى العبث{[53643]} من اللعب كالرقص{[53644]} ونحوه مجتهداً{[53645]} في ذلك معملاً الحيل في تحصيله باشتراء سببه ، معرضاً عن اقتناص العلوم وتهذيب النفس بها{[53646]} عن الهموم{[53647]} والغموم ، فينزل إلى أسفل سافلين {[53648]}كما علا الذي{[53649]} قبله بالحكمة إلى أعلى عليين - قال{[53650]} ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً ، وقال مجاهد{[53651]} : في شرى القيان والمغنين والمغنيات ، وقال{[53652]} ابن مسعود : اللهو الغناء ، وكذا قال ابن عباس وغيره .
ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال ، بانهماك النفس في ذلك ، لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة ، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من اللذاذة ، فتصير أسيرة{[53653]} الغفلة عن الذكر ، وقبيلة الإعراض عن الفكر ، وكان المخاطب بهذا الكتاب قوماً{[53654]} يدعون العقول الفائقة ، والأذهان الصافية{[53655]} الرائقة قال تعالى : { ليضل } من الضلال والإضلال على القراءتين{[53656]} ، ضد{[53657]} ما كان عليه المحسنون من الهدى { عن سبيل الله } أي الطريق {[53658]}الواضح الواسع{[53659]} الموصل إلى رضى الملك الأعلى المستجمع لصفات{[53660]} الكمال والجلال والجمال التي هم مقرّون بكثير منها ، منبهاً لهم{[53661]} على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد ، وأن ذلك بحيث لا يخفى عليهم ، فإن كان {[53662]}مقصوداً لهم{[53663]} فهو ما لا يقصده من له عداد البشر ، وإلا كانوا من الغفلة وسوء النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك بمراحل .
ولما كان المراد : من قصد الضلال عن الشيء ، ترك ذلك الشيء ، وكان العاقل لا يقدم على ترك شيء إلا {[53664]}وهو عالم{[53665]} بأنه لا خير فيه قال : { بغير علم } ونكره ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم ، أي لأنهم لا علم لهم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها ، علماً يستحق إطلاق العلم عليه بكونه يفيد ربحاً أو يبقى على رأس مال من دين أو دنيا ، فإن هذا حال{[53666]} من استبدل الباطل بالحق والضلال بالهدى .
ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر له لا يتمكن{[53667]} من ذلك إلا بعد الخبرة التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح لصالحه{[53668]} ولا يروج له حال بحال قال{[53669]} معجباً تعجيباً آخر أشد من الأول بالنصب عطفاً{[53670]} على " يضل " في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وبالرفع للباقين عطفاً على { يشتري } : { ويتخذها } أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته الأولى{[53671]} أن يأخذ السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق { هزواً } .
ولما أنتج له{[53672]} هذا الفعل الشقاء الدائم . بينه بقوله ، جامعاً حملاً{[53673]} على معنى " من " بعد أن{[53674]} أفرد حملاً على لفظها ، لأن الجمع في مقام الجزاء أهول ، والتعجيب من الواحد أبلغ{[53675]} { أولئك } أي{[53676]} الأغبياء البعيدون عن{[53677]} رتبة الإنسان ، وتهكم{[53678]} بهم التعبير باللام الموضوعة لما يلائم{[53679]} فقال : { لهم عذاب مهين * } أي يثبت لهم الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين{[53680]} من الرحمة .