أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

شرح الكلمات :

{ ومن الناس } : أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث بن كلدة حليف قريش .

{ لهو الحديث } : أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء .

{ ليضل عن سبيل الله } : أي ليصرف الناس عن الإِسلام ويبعدهم عنه فيضلوا .

{ ويتخذها هزواً } : أي ويتخذ الإِسلام وشرائعه وكتابه هزوا أي مهزوءاً به مسخوراً منه .

المعنى :

لما ذكر تعالى عباده المحسنين وأثنى عليهم بخير وبشرهم بالفلاح والفوز المبين ذكر صنفا آخر على النقيض من الصنف الأول الكريم فقال : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث الكلدي حليف قريش يشتري لهو الحديث أي الغناء إذ كان يشترى الجواري المغنيات ويفتح ناديا للهو والمجون ويدعو الناس إلى ذلك ليصرفهم عن الإِسلام حتى لا يجلسوا إلى نبيّه ولا يقرأوا كتابه بغير علم منه بعاقبة صنيعه وما يكسبه من خزي وعار وعذاب النار . وقوله { ويتخذها هزوا } أي يتخذ سبيل الله التي هي الإِسلام هزواً أي شيئا مهزوءاً به مسخوراً منه بما في ذلك الرسول والمؤمنون والآيات الكلّ يهزأ به ويسخر منه لجهله وظلمة نفسه . قال تعالى { أولئك } لهم عذاب مهين أي أولئك البعداء وهم كل من يشترى الغناء يغني به نساء ورجال أو آلات ممن اتخذوا الاسم وشرائعه هزواً وسخرية ليصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله الموصلة إلى رضاه ومحبته وجنّته . أولئك مَنْ تِلك صفتهم لهم عذاب مهين بكسر أنوفهم وبذلهم يوم القيامة .

الهداية :

من الهداية :

- حرمة غناء النساء للرجال الأجانب .

- حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والأسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال .

- حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

ولما كان فطم النفس عن الشهوات . أعظم هدى قائد{[53629]} إلى حصول المرادات ، وكان اتباعها{[53630]} الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات ، وكان في ختام الروم أن{[53631]} من وقف مع الموهومات عن طلب المعلومات مطبوع على قلبه ، وكان ما دعا إليه الكتاب هو{[53632]} الحكمة التي نتيجتها الفوز ، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة ، بوضع الأشياء في غير مواضعها ، المثمر للعطب{[53633]} ، قال تعالى معجباً ممن يترك الجد إلى اللهو ، ويعدل

عن{[53634]} جوهر العلم إلى صدق{[53635]} السهو ، عاطفاً على ما تقديره : فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة{[53636]} أهل الكمال : { ومن } ويمكن أن يكون حالاً من فاعل الإشارة . أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم حال كونه هدى لمن ذكر والحال أن من { الناس } أي الذين هم في أدنى رتبة{[53637]} الإحساس ، لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان ، فضلاً عن مقام أولي الإحسان .

ولما كان التقدير : من يسير بغير هذا السير ، فيقطع{[53638]} نفسه عن كل خير ، عبر عنه بقوله : { من يشتري } أي{[53639]} غير مهتد{[53640]} بالكتاب ولا مرحوم{[53641]} به { لهو الحديث } أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها{[53642]} الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه ، فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة إلى مجرد الطبع البهيمي فيدعوها إلى العبث{[53643]} من اللعب كالرقص{[53644]} ونحوه مجتهداً{[53645]} في ذلك معملاً الحيل في تحصيله باشتراء سببه ، معرضاً عن اقتناص العلوم وتهذيب النفس بها{[53646]} عن الهموم{[53647]} والغموم ، فينزل إلى أسفل سافلين {[53648]}كما علا الذي{[53649]} قبله بالحكمة إلى أعلى عليين - قال{[53650]} ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً ، وقال مجاهد{[53651]} : في شرى القيان والمغنين والمغنيات ، وقال{[53652]} ابن مسعود : اللهو الغناء ، وكذا قال ابن عباس وغيره .

ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال ، بانهماك النفس في ذلك ، لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة ، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من اللذاذة ، فتصير أسيرة{[53653]} الغفلة عن الذكر ، وقبيلة الإعراض عن الفكر ، وكان المخاطب بهذا الكتاب قوماً{[53654]} يدعون العقول الفائقة ، والأذهان الصافية{[53655]} الرائقة قال تعالى : { ليضل } من الضلال والإضلال على القراءتين{[53656]} ، ضد{[53657]} ما كان عليه المحسنون من الهدى { عن سبيل الله } أي الطريق {[53658]}الواضح الواسع{[53659]} الموصل إلى رضى الملك الأعلى المستجمع لصفات{[53660]} الكمال والجلال والجمال التي هم مقرّون بكثير منها ، منبهاً لهم{[53661]} على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد ، وأن ذلك بحيث لا يخفى عليهم ، فإن كان {[53662]}مقصوداً لهم{[53663]} فهو ما لا يقصده من له عداد البشر ، وإلا كانوا من الغفلة وسوء النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك بمراحل .

ولما كان المراد : من قصد الضلال عن الشيء ، ترك ذلك الشيء ، وكان العاقل لا يقدم على ترك شيء إلا {[53664]}وهو عالم{[53665]} بأنه لا خير فيه قال : { بغير علم } ونكره ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم ، أي لأنهم لا علم لهم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها ، علماً يستحق إطلاق العلم عليه بكونه يفيد ربحاً أو يبقى على رأس مال من دين أو دنيا ، فإن هذا حال{[53666]} من استبدل الباطل بالحق والضلال بالهدى .

ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر له لا يتمكن{[53667]} من ذلك إلا بعد الخبرة التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح لصالحه{[53668]} ولا يروج له حال بحال قال{[53669]} معجباً تعجيباً آخر أشد من الأول بالنصب عطفاً{[53670]} على " يضل " في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وبالرفع للباقين عطفاً على { يشتري } : { ويتخذها } أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته الأولى{[53671]} أن يأخذ السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق { هزواً } .

ولما أنتج له{[53672]} هذا الفعل الشقاء الدائم . بينه بقوله ، جامعاً حملاً{[53673]} على معنى " من " بعد أن{[53674]} أفرد حملاً على لفظها ، لأن الجمع في مقام الجزاء أهول ، والتعجيب من الواحد أبلغ{[53675]} { أولئك } أي{[53676]} الأغبياء البعيدون عن{[53677]} رتبة الإنسان ، وتهكم{[53678]} بهم التعبير باللام الموضوعة لما يلائم{[53679]} فقال : { لهم عذاب مهين * } أي يثبت لهم الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين{[53680]} من الرحمة .


[53629]:من م ومد، وفي الأصل وظ: قايدا.
[53630]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: اتباع.
[53631]:سقط من ظ ومد.
[53632]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: فهو.
[53633]:في ظ ومد: للعطف.
[53634]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: من.
[53635]:في ظ: صدق.
[53636]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: حلية.
[53637]:في ظ ومد: رتب.
[53638]:زيد في الأصل: به، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها.
[53639]:زيد من ظ ومد.
[53640]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مستحل.
[53641]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مرحوا.
[53642]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: به.
[53643]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: العتب.
[53644]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: كالرقعة.
[53645]:في ظ: مجتهلا.
[53646]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بما.
[53647]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: المهموم.
[53648]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: كا علاء الدين.
[53649]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: كا علاء الدين.
[53650]:راجع الدر المنثور 5/159.
[53651]:راجع الدر المنثور 5/159.
[53652]:راجع الدر المنثور 5/159.
[53653]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أسير.
[53654]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: قوم.
[53655]:سقط من ظ.
[53656]:راجع نثر المرجان 5/321.
[53657]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: عند.
[53658]:في ظ ومد: الواسع الواضح.
[53659]:في ظ ومد: الواسع الواضح.
[53660]:زيد من ظ وم ومد.
[53661]:سقط من ظ.
[53662]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مقصود.
[53663]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مقصود.
[53664]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: يعلم.
[53665]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: يعلم.
[53666]:في ظ ومد: شأن.
[53667]:في ظ: لا يمكن.
[53668]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بصالحة.
[53669]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: فقال.
[53670]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: عاطفا.
[53671]:زيد من ظ وم ومد.
[53672]:سقط من ظ.
[53673]:في ظ: حمل.
[53674]:في ظ ومد: ما.
[53675]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أهول.
[53676]:سقط من ظ.
[53677]:في ظ: من.
[53678]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: تهكمكم.
[53679]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: لا يلائم.
[53680]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: للمحسن.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .

ثمة قولان في سبب نزول هذه الآية . أحدهما : أنها نزلت في النضر بن الحارث وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس ، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ، ويحدث بها قريشا ويقول لهم : إن محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ، ويتركون استماع القرآن . فنزلت فيه هذه الآية .

القول الثاني : إنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشُغل الناس بلهوها عن استماع النبي صلى الله عليه وسلم{[3633]} .

أما المراد بلهو الحديث وشرائه فهو موضع تفصيل نعرض له في هذا البيان فنقول : لهو الحديث يشمل بعمومه كل ما يلهي عن طاعة الله وفعل الخيرات والقربات . وذلك كالغناء والملاهي والأحاديث المفتراة والمصطنعة التي تنشغل بها القلوب والأذهان عن دين الله وطاعته .

وقيل : المراد بلهو الحديث ، الكفر والشرك . وهو قول الحسن البصري ، وروي عنه قول : إنه الغناء والمعازف .

وقيل : المراد من يشتري ذا لهو ، أو ذات لهو . فيكون التقدير : من يشتري أهل لهو الحديث وهم المغنّون والمغنيات والقينات . كقوله تعالى : { واسأل القرية } يعني واسأل أهل القرية .

وقيل : المراد به الغناء . وقد قال بذلك أكثر السلف من الصحابة والتابعين وقد حلف على ذلك عبد الله بن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء . وكان يقول : الغناء ينبت النفاق في القلب . وعن ابن عمر أنه الغناء . وقال الإمام الطبري : أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه . ويؤيد هذا القول ما ورد في ذلك من أخبار . منها ما رواه الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ، ورنة شيطان عند نغمة ومرح ، ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب " .

وروى الترمذي أيضا من حديث علي ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء " فذكر منها : " إذا اتخذت القينات والمعازف " وفيما رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من جلس إلى قينة يسمع منها صُبَّ في أذنه الآنُك{[3634]} يوم القيامة " .

على أن الغناء المنهي عنه هو المعتاد عند المشتهرين به ، والذي يحرك النفوس فيستميلها للذة والطرب ، ويجنح بها للهوى والغزل والمجون بعد سكون الشهوة ورقادها . إلى غير ذلك من الشعر الذي يُشَبَّب فيه بالنساء ووصف محاسنهن والافتتان بهن ووصف الخمور والمحرمات ، فإن ذلك حرام قطعا . أما ما كان من غناء يخلو من ذلك فيجوز منه القليل في بعض الأحوال والظروف كالأعراس والأعياد حيث السرور والبهجة تغمر قلوب الناس في مثل هذه المناسبات . وكذلك عند التنشيط على الأعمال الشاقة مما يروح النفس ترويحا ويكفكف عنها غبار الكد والنصَب .

وذلك كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشه ، وهو أسود كان يسوق الإبل بنساء النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وكان حسن الحداء ، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه . وفي ذلك روى الديلمي عن أنس مرفوعا : " روحوا القلوب ساعة فساعة " .

أما ما ابتدعته الصوفية من سماع المغاني وقد اختلطت بالمعازف وآلات الطرب كالشبابات والمزامير والأوتار فذلكم حرام .

أما الضرب على الدف لإظهار النكاح فمباح . وقال القرطبي في هذا الصدد : إن الطبل في النكاح كالدف ، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث .

أما الاشتغال بالغناء على الدوام فهو سفه . تُرد به الشهادة وقد ذهب الإمام مالك إلى أن الغناء حرام . ولما سئل عن ذلك قال : إنما يفعله عندنا الفساق . وذهبت الحنيفية والشافعية ، وكذا الحنبلية في رواية لهم إلى أن الغناء مكروه ، وأن سماعه من الذنوب ، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .

والذي نميل إليه أن الآية تتناول بعمومها سائر الأقوال والأحاديث التي تلهي عن طاعة الله والتي تشغل البال والقلب عن الخشوع والورع والتذكر ، وسماع المواعظ ودروس العلم . سواء في ذلك الغناء أو قص الأساطير الموهومة بقصد الإلهاء عن سماع الإسلام بأفكاره ومعانيه ، وكذلك اللغو من الكلام الذي يلهي الناس عن سماع القرآن ويضلهم عن الحق ليتيهوا في الباطل . وهو قوله : { ليضل عن سبيل الله } المضل يراد به صاحب اللهو على اختلاف وجوهه فهو بتلهيته يضل الناس عن دين الله فيحول بينهم وبين سماع القرآن والاتعاظ بكلماته وإيقاعاته المؤثرة . أو يلهيهم عن الاستفادة من علوم الإسلام ؛ إذ لا يستبقي لهم من الفراغ أو الوقت ما يقرأون فيه أو يسمعون القرآن وروائع الإسلام ، فضلا عن تلهيتهم عن أداء الواجبات والطاعات المفروضة والمندوبة .

وهذا هو دأب الحكام والساسة الذين يقودون المسلمين في عصرهم الراهن ؛ إذ يسوسونهم بغير شريعة الإسلام ؛ يسوسونهم بشرائع الكفر وملل الضلال والباطل مما ابتدعوه من نظم الحضارة المادية الظالمة . أولئك يصطنعون كل أسباب التلهية من مختلف وجوه اللهو الفارغ الذي تُسخّر لنشره وإشاعته كل الوسائل والأسباب وبخاصة وسائل الإعلام المختلفة ؛ وذلك من أجل أن تلتهي الأمة عن الاهتمام بدينها وقيمها ومقوماتها الثقافية والمعنوية والسلوكية ؛ وكيما تغض الطرف عن تعاليم الإسلام ولا تعبأ بسماع القرآن ، فضلا عما يبتغيه الساسة الظالمون من إفساد النفس لدى الأفراد وتشويه العقول والتصورات فتزهد في الإقبال على الإسلام كل الزهد أو تنفر منه نفورا .

قوله : { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } الضمير في { وَيَتَّخِذَهَا } عائد إلى { سبيل الله } والمراد بسبيل الله منهج الحق وصراط الله المستقيم ودينه الحنيف القويم . والمعنى : أن المضل عن سبيل الله بلهوه وضلاله إنما يسخر من دين الله وشرعه ، ويهزأ بالإسلام وما فيه من أحكام وقيم وتصورات . وذلك هو دأب الغاوين الذين يغوون الناس بفسقهم وفجورهم ويضلونهم عن دين الله بما ابتدعوه واصطنعوه من فتن الملاهي والمعازف والغناء الفاجر المستهجن .

قوله : { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } هؤلاء المضلون الفسّاق الذين يلهون الناس عن دينهم ويضلونهم عن فعل الطاعات والواجبات بما ابتدعوه من لهو فاسد ماجن –صائرون إلى عذاب الخزي والهوان في النار{[3635]} .


[3633]:أسباب النزول للنيسابوري ص 232، أحكام القرآن لابن جزء 3 ص 1482
[3634]:الآنك: الرصاص الخالص. انظر المصباح المنير ج 1 ص 31.
[3635]:1 تفسير القرطبي جزء 14 ص 51-56 تفسير تبن كثير جزء 3 ص 442 وفتح القدير جزء 3 ص 234، وتفسير الطبري ج 21 ص 40-41، وتفسير الرازي ج 25 ص 142.