{ وذا النون } : هو يونس بن متى عليه السلام وأضيف إلى النون الذي هو الحوت في قوله تعالى { ولا تكن كصاحب الحوت } لأن حوتة كبيرة ابتلعته .
{ إذ ذهب مغاضباً } : أي لربه تعالى حيث لم يرجع إلى قومه لما بلغه أن الله رفع عنهم العذاب .
{ فظن أن لن نقدر عليه } : أي أن لن نحبسه ونضيق عليه في بطن الحوت من أجل مغاضبته .
{ في الظلمات } : ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل .
ما زال السياق الكريم في ذكر أفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء من عباده فقال تعالى : { وذا النون } أي واذكر ذا النون أي يونس بن متى { إذ ذهب مغاضبا } لربه تعالى حيث لم يصبر على بقائه مع قومه يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وطاعته وطاعة رسوله فسأل لهم العذاب ، ولما تابوا ورفع عنهم العذاب بتوبتهم وعلم بذلك فلم يرجع إليهم فكان هذا منه مغاضبة لربه تعالى وقوله تعالى عنه : { فظن أن لن نقدر عليه } أي ظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يحبسه في بطن الحوت ولا يضيق عليه وهو حسن ظن منه في ربه سبحانه وتعالى ، ولكن لمغاضبته ربه بعدم العودة إلى قومه بعد أن رفع عنهم العذاب أصابه ربه تطهيراً له من أمر المخالفة الخفيفة بأن ألقاه في ظلمات ثلاث ، ظلمة الحوت والبحر والليل ثم ألهمه الدعاء الذي به النجاة فكان يسبح في الظلمات الثلاث { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فاستجاب الله تعالى له وهو معنى قوله : { وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم } الذي أصابه من وجوده في ظلمات محبوساً لا أنيس ولا طعام ولا شراب مع غم نفسه من جراء عدم عودته إلى قومه وقد أنجاهم الله من العذاب . وهو سبب المصيبة .
- فضيلة دعوة ذي النون : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } . إذ ورد أنه ما دعا بها مؤمن إلا استجيب له ، وقوله تعالى : { وكذلك ننجي المؤمنين } يقوي هذا الخبر .
ثم أتبعهم من هو أغرب حالاً منهم في الحفظ فقال{[51584]} { وذا النون } أي اذكره { إذ ذهب مغاضباً } أي على{[51585]} هيئة الغاضب لقومه بالهجرة عنهم ، ولربه بالخروج عنهم دون الانتظار لإذن خاص منه بالهجرة ، وروي عن الحسن{[51586]} أن معنى { فظن أن لن نقدر عليه } أن لن نعاقبه{[51587]} بهذا الذنب ، أي ظن أنا نفعل معه فعل من لا يقدر ، وهو تعبير عن اللازم بالملزوم مثل التعبير عن العقوبة بالغضب ، وعن الإحسان بالرحمة وفي أمثاله كثرة ، فهو أحسن الأقوال وأقومها - رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات{[51588]} عن قتادة عنه وعن مجاهد مثله وأسند{[51589]} من غير طريق عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه ، وكذا{[51590]} قال الأصبهاني عنه{[51591]} أن معناه : لن نقضي عليه بالعقوبة ، {[51592]} وأنه قال أيضاً ما{[51593]} معناه : فظن أن لن نضيق عليه الخروج ، من القدر الذي معناه الضيق ، لا من القدرة ، ومنه
{ فقدر عليه رزقه }[ الفجر : 16 ] وروى البيهقي أيضاً{[51594]} عن الفراء أن نقدر بمعنى نقدر - مشدداً وبحكم ، وأنشد عن ابن الأنباري عن أبي صخر الهذلي :
ولا عائداً ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما نقدر يقع و{[51595]} لك الشكر { فنادى } أي فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه حتى استسلم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت وغاص به إلى قرار البحر ومنعناه من أن يكون له طعاماً ، فنادى { في الظلمات } من{[51596]} بطن الحوت الذي{[51597]} في أسفل البحر في الليل ، فهي ظلمات ثلاث - نقله ابن كثير{[51598]} عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم . { أن لا إله إلا أنت } .
ولما نزهه عن الشريك عم فقال : { سبحانك } أي تنزهت عن كل نقص ، فلا يقدر على الإنجاء من مثل ما أنا فيه غيرك ؛ ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسباً إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله : { إني كنت } أي كوناً كبيراً{[51599]} { من الظالمين } أي في خروجي من بين قومي فبل الإذن ، فاعف عني كما هي شيمة القادرين ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.