{ وضرب الله مثلاً } ، أي : هو رجلين الخ . .
{ أبكم } ، أي : ولد اخرس وأصم لا يسمع .
{ لا يقدر على شيء } ، أي : لا يَفهَمْ ولا يُفهِمْ غيره .
وقوله : { وضرب الله مثلاً رجلين } ، هو المثال الثاني في هذا السياق ، وقد حوته الآية الثانية ( 76 ) فقال تعالى فيه : { وضرب الله مثلاً } ، هو { رجلين أحدهما أبكم } ، ولفظ الأبكم قد يدل على الصم ، فالغالب أن الأبكم لا يسمع . { لا يقدر على شيء } ، فلا يفهم غيره ؛ لأنه من أقربائه يقومون بإعاشته ورعايته ؛ لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء . وقوله : { أينما يوجهه لا يأت بخير } ، أي : أينما يوجهه مولاه وابن عمه ليأتي بشيء : لا يأتي بخير ، وقد يأتي بشر ، أما النفع والخير فلا يحصل منه شيء .
وهذا مثل الأصنام التي تعبد من دون الله ؛ إذ هي لا تسمع ولا تبصر فلا تفهم ما يقال لها ، ولا تفهم عابديها شيئاً ، وهي محتاجة إليهم في صنعها ووضعها وحملها وحمايتها . وقوله تعالى : { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم } ، وهو الله تعالى يأمر بالعدل ، أي : التوحيد والاستقامة في كل شيء . وهو قائم على كل شيء ، وهو على صراط مستقيم يدعو الناس إلى سلوكه لينجوا ويسعدوا في الدارين ، فالجواب ، لا يستويان بحال ، فكيف يرضى المشركون بعبادة وولاية الأبكم الذي لا يقدر على شيء ، ويتركون عبادة السميع البصير ، القوي القدير ، الذي يدعوهم إلى كمالهم وسعادتهم في كلتا حياتهم ، أمر يحمل على العجب ، ولكن لا عجب مع أقدار الله وتدابير الحكيم العليم .
- بيان مثل المؤمن في كماله والكافر في نقصانه .
- بيان مثل الأصنام في جمودها وتعب عبدتها عليها في الحماية ، وعدم انتفاعهم بها . ومثل الرب تبارك وتعالى في عدله ، ودعوته إلى الإسلام وقيامه على ذلك مع استجابة دعاء أوليائه ، ورعايتهم ، وعلمه بهم ، وسمعه لدعائهم ، ونصرتهم في حياتهم ، وإكرامهم ، والإنعام عليهم في كلتا حياتهم . ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم .
قوله تعالى : " وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم " ، هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء ، هو : الوثن ، والذي يأمر بالعدل ، هو : الله تعالى ، قاله قتادة وغيره . وقال ابن عباس : الأبكم : عبد كان لعثمان رضي الله عنه ، وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى ، ويأمر بالعدل عثمان . وعنه أيضا : أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر . وقيل : الأبكم : أبو جهل ، والذي يأمر بالعدل : عمار بن ياسر العنسي ، وعنس " بالنون " : حي من مذحج ، وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبي جهل ، وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه سمية ، وكانت مولاة لأبي جهل ، وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد ؛ لأنك تحبينه لجماله ، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت ، فهي أول شهيد مات في الإسلام ، رحمها الله . من كتاب النقاش وغيره . وسيأتي هذا في آية الإكراه مبينا{[9985]} إن شاء الله تعالى . وقال عطاء : الأبكم : أبي بن خلف ، كان لا ينطق بخير . " وهو كل على مولاه " ، أي : قومه ؛ لأنه كان يؤذيهم ، ويؤذي عثمان بن مظعون . وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث ، كان كافرا قليل الخير ، يعادي النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن الأبكم : الكافر ، والذي يأمر بالعدل : المؤمن جملة بجملة ، روى عن ابن عباس وهو حسن ؛ لأنه يعم . والأبكم : الذي لا نطق له . وقيل : الذي لا يعقل . وقيل : الذي لا يسمع ولا يبصر . وفي التفسير : إن الأبكم ها هنا الوثن . بين أنه لا قدرة له ولا أمر ، وأن غيره ينقله وينحته ، فهو كل عليه . والله الآمر بالعدل ، الغالب على كل شيء . " وهو كل على مولاه " ، أي : ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه . وقد يسمى اليتيم كلا ؛ لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر :
أَكُولٌ لمال الكَلِّ قبل شَبَابِه *** إذا كان عظم الكَلِّ غيرَ شَدِيدِ
والكل أيضا : الذي لا ولد له ولا والد . والكل : العيال ، والجمع الكلول ، يقال منه : كَلَّ السكين يَكِلُّ كَلاًّ ، أي : غلظت شفرته فلم يقطع . " أينما يوجه لا يأت بخير " قرأ الجمهور : " يوجهه " ، وهو خط المصحف ، أي : أينما يرسله صاحبه لا يأت بخير ؛ لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه . وقرأ يحيى بن وثاب : " أينما يوجه " ، على الفعل المجهول . وروي{[9986]} عن ابن مسعود أيضا : " توجه " ، على الخطاب . " هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم " ، أي : هل يستوي هذا الأبكم ، ومن يأمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.