أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

شرح الكلمات :

{ ولما ورد ماء مدين } : انتهى غلى بئر يسقى منها أهل مدين .

{ يسقون } : أي مواشيهم من بقر وابل وغنم .

{ تذودان } : أي أغنامهما منعاً لهما من الماء حتى تخلو الساحة لهما خوف الاختلاط بالرجال الأجانب لغير ضرورة .

{ قال ما خطبكما } : قال موسى للمرأتين اللتين تذودان ما خطبكما أي ما شأنكما .

{ حتى يصدر الرعاء } : لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء ويبقى لنا الماء وحدنا .

المعنى :

وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق ( 23 ) { ولما ورد ماء مدين } أي وحين ورد ماء مدين وهو بئر يسقي منها الناس مواشيهم { وجد عليه } أي على الماء { أمة من الناس } أي جماعة كبيرة يسقون أنعامهم ومواشيهم { ووجد من دونهم امرأتين } وهما بنتا شعيب عليه السلام { تذودان } أي تمنعان ماشيتهما من الاختلاط بمواشي الناس . فسألهما لا تطفلاً وإنما حالهما دعاه إلى سؤالهما لأنه رأى الناس يسيقون مواشيهما ويصدرون فوجاً بعد فوج والمرأتان قائمتان على ماشيتهما تذودانها عن الحوض حتى لا تختلط ولا تشرب فسألهما لذلك قائلاً : { ما خطبكما } أي ما شأنكما فأجابتاه قائلتين : { لا نسقي حتى يصدر الرعاء } لضعفنا وعدم رغبتنا في الاختلاط بالرجال { وأبونا شيخ كبير } لا يقوي على سقي هذه الماشية بنفسه فنحن نسقيها ولكن بعد أن يصدر الرعاء ويبقى في الحوض ماء نسقي به .

الهداية :

- بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

فيه أربع وعشرون مسألة :

الأولى- قوله تعالى : " ولما ورد ماء مدين " مشى موسى عليه السلام حتى ورد ماء مدين أي بلغها ووروده الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه ، ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود ، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه إن لم يدخل ، فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه ، ومنه قول زهير :

فلما وَرَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمَامُهُ *** وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ{[12345]}

وقد تقدمت هذه المعاني في قوله : " وإن منكم إلا واردها " [ مريم : 71 ] ومدين لا تنصرف إذ هي بلدة معروفة قال الشاعر{[12346]} :

رهبانُ مَدْيَنَ لو رأوك تنزَّلُوا *** والعُصْمُ من شَعَفِ الجبالِ الفَادِرِ

وقيل : قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم ، وقد مضى القول فيه في " الأعراف " {[12347]} والأمة : الجمع الكثير و " يسقون " معناه ماشيتهم . و " من دونهم " معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها ، فوصل إلى المرأتين قبل وصول إلى الأمة ، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان ، ومنه قول عليه السلام : ( فليذادَنَّ{[12348]} رجال عن حوضي ) وفي بعض المصاحف : " امرأتين حابستين تذودان " يقال : ذاد يذود إذا حبس{[12349]} وذدت الشيء حبسته . قال الشاعر{[12350]} :

أبيت على باب القوافي كأنما *** أذُودُ بها سِرْبًا من الوحش نُزَّعَا

أي أحبس وأمنع وقيل : " تذودان " تطردان . قال{[12351]} :

لقد سلبَتْ عَصَاك بنُو تميم *** فما تدرِي بأيِّ عَصًا تَذُودُ

أي تطرد وتكف وتمنع ابن سلام : تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس . فحذف المفعول : إما إيهاما على المخاطب ، وإما استغناء بعلمه . قال ابن عباس : تذودان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء . قتادة : تذودان الناس عن غنمهما . قال النحاس : والأول أولى ؛ لأن بعده " قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء " ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء ، فلما رأى موسى عليه السلام ذلك منهما " قال ما خطبكما " [ القصص : 23 ] أي شأنكما ؛ قال رؤبة :

يا عجبًا ما خَطْبُهُ وخَطْبِي

ابن عطية : وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب ، أو مضطهد ، أومن يشفق عليه ، أو يأتي بمنكر من الأمر ، فكأنه بالجملة في شر ، فأخبرتاه بخبرهما ، وأن أباهما شيخ كبير ، فالمعنى : لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه ، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء ، وأن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى ، وحينئذ تردان وقرأ ابن عامر وأبو عمرو : " يصدر " من صدر ، وهو ضد ورد أي يرجع الرعاء والباقون " يصدر " بضم الياء من أصدر ، أي حتى يصدروا مواشيهم من وردهم والرعاء جمع راع ، مثل تاجر وتجار ، وصاحب وصحاب قالت فرقة : كانت الآبار مكشوفة ، وكان زحم الناس يمنعهما ، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى ، فعن هذا الغلب الذي كان منه وصفته إحداهما بالقوة ، وقالت فرقة : إنهما كانتا تتبعان فضالتهم في الصهاريج ، فإن وجدتا في الحوض بقية كان ذلك سقيهما ، وإن لم يكن فيه بقية عطشت غنمهما ، فرق لهما موسى ، فعمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها ، وكان حجرها لا يرفعه إلا سبعة ، قاله ابن زيد . ابن جريج : عشرة . ابن عباس : ثلاثون . الزجاج : أربعون ، فرفعه وسقى للمرأتين ، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة . وقيل : إن بئرهم كانت واحدة ، وإنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة ، إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات . روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال : لما استقى الرعاة غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال ، فجاء موسى فاقتلعها واستقى ذنوبا واحدا لم تحتج إلى غيره فسقى لهما

الثانية- إن قيل : كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صلى الله عليه وسلم أن يرضى لا بنتيه بسقي الماشية ؟ قيل له : ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك ، والعادة متباينة فيه ، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر ، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة


[12345]:تقدّم شرح هذا البيت في هامش ج 11 ص 137 طبعة أولى أو ثانية.
[12346]:هو جرير. والعصم (جمع الأعصم): وهو من الظباء الذي في ذراعه بياض، وقيل: في ذراعيه، والفادر: المسن منها. وقيل: العظيم. ويروى:" من شعف العقول". وقبله: يا أمّ طلحة ما لقينا مثلكم * في المنجدين ولا بغور الغائر.
[12347]:راجع ج 7 ص 247 طبعة أولى أو ثانية.
[12348]:فليذادن، أي ليطردن. ويروى:" فلا تذادن" أي لا تفعلوا فعلا يوجب طردكم عنه، وقال ابن الأثير: والأوّل أشبه.
[12349]:في الأصل:" إذا ذهب" وهو تحريف.
[12350]:هو سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره.
[12351]:هو جرير يهجو الفرزدق.