{ لقد ظلمك بسؤال نعجتك } : أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه .
{ من الخلطاء ليبغي بعضهم } : أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا .
{ وظن داود أنما فتناه } : أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره .
{ فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } : أي طلب المغفرة من ربه بقوله استغفر الله وسقط ساجدا على الأرض وأناب أي رجع تائبا إلى ربه .
فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وعلل لذلك بقوله { وإن كثيراً من الخلطاء } أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة { ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهم أهل الإِيمان والتقوى فإِنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات ، { وقليل ما هم } أي وهم قليل جداً ، وهنا طار الملكان من بين يدي داود وعرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربّه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة صغيرة أرته أن ما ناله إبراهيم واسحق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم ، وهنا استغفر داود ربّه { وخر راكعا } يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربّه في أمره كله .
- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معاً إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام .
- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب .
- مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية { وخرّ راكعاً وأناب } .
وأمام هذه القضية الواضحة المعالم ، وأمام سكوت الأخ المدعى عليه أمام أخيه المدعى ، وعدم اعتراضه على قوله . . أمام كل ذلك . لم يلبث أن قال داود فى حكمه : { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ . . } : واللام فى قوله : { لَقَدْ . . . } جواب لقسم محذوف . وإضافة " سؤال " إلى { نَعْجَتِكَ } من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والفاعل محذوف . أى : بسؤاله ، كما فى قوله - تعالى - : { لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير } أى : من دعائه .
وقوله { نعاجه } متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم . أى : قال داود - عليه السلام - بعد فراغ المدعى من كلامه ، وبعد إقرار المدعى عليه بصدق أخيه فيما ادعاه - والله إن كان ما تقوله حقا - أيها المدعى - فإن أخاك فى هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نعجتك لكى يضمها إلى نعاجة الكثيرة .
وإنما قلنا إن داود - عليه السلام - قد قال ذلك بعد إقرار المدعى عليه بصحة كلام المدعى ، لأنه من المعروف أن القاضى لا يحكم إلا بعد سماع حجة الخصوم أو الخصين حتى يتمكن من الحكم بالعدل .
ولم يصرح القرآن بأن داود - عليه السلام - قد قال حكمه بعد سماع كلام المدعى عليه ، لأنه مقرر ومعروف فى كل الشرائع ، وحذف ما هو مقرر ومعلوم جائز عند كل ذى عقل سليم .
ثم أراد داود - عليه السلام - وهو الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب - أراد أن يهون المسألة عن نفس المشتكى ، وأن يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له ، وما فعله معه ، فقال : { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغي بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ . . . } .
أى : قال داود للمشتكى - على سبيل التسية له - : وإن كثيرا من الخلطاء ، أى الشركاء - جمع خليط ، وهو من يخلط ماله بمال غيره .
{ ليبغي بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } أى : ليعتدى بعضهم على بعض ، ويطمع بعضهم فى مال الآخر { إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فإنهم لا يفعلون ذلك لقوة إيمانهم ، ولبعدهم عن كل ما لا يرضى خالقهم ، فالجملة الكريمة منصوبة المحل على الاستثناء ، لأن الكلام قبلها تام موجب .
وقوله : { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } بيان لقلة عدد المؤمنين الصادقين الذين يعدلون فى أحكامهم .
ولفظ { قليل } خبر مقدم و " ما " مزيدة للإِبهام وللتعجب من قلتهم . و " هم " مبتدأ مؤخر .
فكأنه - سبحانه - يقول : ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويحرصون على إعطاء كل ذى حق حقه ، والجملة الكريمة اعتراض تذييلى .
وبهذا نرى أن داود - عليه السلام - قد قضى بين الخصمين ، بما يحق الحق ويبطل الباطل .
ثم بين - سبحانه - ما حاك بنفس داود - عليه السلام - بعد أن دخل عليه الخصمان ، وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال : { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } .
والظن معناه : ترجيح أحد الأمرين على الآخر .
وفتناه : بمعنى امتحناه واختبرناه وابتليناه ، مأخوذ من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار .
أى : وظن داود - عليه السلام - أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقة ، إنما هو لأجل الاعتداء عليه . وأن ذلك لون من ابتلاء الله - تعالى - له ، وامتحانه لقوة إيمانه ، ولكن لما لم يتحقق هذا الظن ، وإنما الذى تحقق هو القضاء بينهما بالعدل ، استغفر رببه من ذلك الظن ، { وَخَرَّ رَاكِعاً } أى : ساجدا لله - تعالى - وعبر عنه بالركوع لأنه فى كل منهما انحناء وخضوع لله - عز وجل - { وأناب } أى : ورجع داود إلى الله - تعالى - بالتوبة وبالمداومة على العبادة والطاعة .
قوله : { قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } قال داود للخصم المتظلِّم من صاحبه : لقد ظلمك صاحبك هذا بسؤال امرأتك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائه .
قوله : { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } { الْخُلَطَاءِ } جمع خليط ، وهو لشريك أو الصاحب يعني : وإن كثيرا من الشركاء أو الأصحاب يتعدى بعضهم على بعض أو يظلم بعضهم بعضا { إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإن المتقين الذين يخشون الله ولا يبرح قلوبهم الخوف من جلاله وعظيم سلطانه لا يظلمون الناس { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } { همْ } ، مبتدأ . { وَقَلِيلٌ } ، خبره . و { مَا } زائدة ؛ أي وقليل هم الذين لا يبغون .
قوله : { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } يعني أيقن داود بعد الذكرى أنما ابتلاه ربه بذلك { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } سأل الله أن يغفر له الذنب { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } أي سقط ساجدا لله منيبا إليه خاشعا متذللا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.