{ ذلك الكتاب } هو هنا القرآن ، وقيل : التوراة والإنجيل ، وقيل : اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله : { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } [ السجدة :2 ] يعني القرآن باتفاق ، وخبر { ذلك } : { لا ريب فيه } ، وقيل : خبره الكتاب فعلى هذا { ذلك الكتاب } جملة مستقلة فيوقف عليه .
{ لا ريب فيه } أي : لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق ، ولم يعتبر أهل الباطل ، وخبر لا ريب فيه ، فيوقف عليه ، وقيل : خبرها محذوف فيوقف على { لا ريب } والأول أرجح لتعينه في قوله : { لا ريب } في مواضع أخر ، فإن قيل : فهلا قدم قوله : { فيه } على { الريب } كقوله : { لا فيها غول } [ الصافات :47 ] ؟ فالجواب : أنه إنما قصد نفي الريب عنه . ولو قدم فيه : لكان إشارة إلى أن ثم كتاب آخر فيه ريب ، كما أن { لا فيها غول } إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر .
{ هدى } هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين ، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله : { هدى للناس } [ البقرة :185 ] وإعرابه خبر ابتداء أو مبتدأ وخبره فيه ، عندما يقف على { لا ريب } ، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة .
{ للمتقين } مفتعلين من التقوى ، وقد تقدم معناه في الكتاب ، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول :
الأول : في فضائلها المستنبطة من القرآن
وهي خمس عشرة : الهدى كقوله : { هدى للمتقين } .
والنصرة ، لقوله : { إن الله مع الذين اتقوا }[ النحل :128 ] .
والولاية لقوله : { الله ولي المتقين }[ الجاثية :19 ] .
والمحبة لقوله : { إن الله يحب المتقين } [ التوبة :4 ]
والمغفرة لقوله : { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا }[ الأنفال :29 ] .
والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }[ الطلاق :4 ] .
وتيسير الأمور لقوله : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }[ الطلاق :4 ] . وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله : { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا }[ الطلاق :5 ] .
وتقبل الأعمال لقوله : { إنما يتقبل الله من المتقين }[ المائدة :27 ] .
والفلاح لقوله : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } ][ البقرة :189 ] .
والبشرى لقوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }[ يونس :64 ] . ودخول الجنة لقوله : { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم }[ القلم :34 ] .
والنجاة من النار لقوله : { ثم ننجي الذين اتقوا }[ مريم :72 ] .
الفصل الثاني : في البواعث على التقوى
والحياء من نظر الله ، وهو مقام المراقبة .
والعلم لقوله : { إنما يخشى الله من عباده العلماء }[ فاطر :28 ] .
وتعظيم جلال الله ، وهو مقام الهيبة .
تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع
قالت وقد سألت عن حال عاشقها *** لله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان يظن الموت من ظمأ *** وقلت قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث : في درجات التقوى
أن يتقي العبد الكفر ، وذلك مقام الإسلام .
وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة .
وأن يتقي الشبهات ، وهو مقام الورع .
ولما كان معنى { الم } هذا كتاب{[543]} من جنس حروفكم التي قد فقتم{[544]} في التكلم{[545]} بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ذلك كماله ، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال{[546]} في قوله{[547]} { ذلك الكتاب } لعلو مقداره بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين . ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال { لا ريب فيه } أي في شيء من{[548]} معناه ولا نظمه في نفس الأمر عند من تحقق بالنظر{[549]} فالمنفي{[550]} كونه متعلقاً للريب ومظنة له ، ولم يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره{[551]} من الكتب{[552]} محل الريب .
قال الحرالي : " ذا " اسم مدلوله المشار إليه ، واللام مدلوله معها بُعدمّا { الكتاب } من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز{[553]} في الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول ، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام { لا } لنفي ما هو ممتنع مطلقاً أو في وقت " الريب " التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منهما . انتهى . وأصله قلق النفس واضطرابها{[554]} ، ومنه ريب{[555]} الزمان لنوائبه المقلقة ، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال : { هدى } وخص المنتفعين{[556]} لأن الألد{[557]} لا دواء له والمتعنت{[558]} لا يرده شيء فقال : { للمتقين } أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى ؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب وإن كان ليس موضعاً للريب أصلاً{[559]} .
قال الحرالي : جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه{[560]} بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقى{[561]} كذا متوقف لأجل ذلك ، والتقوى{[562]} أصل يتقدم{[563]} الهدى وكل عبادة ، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله لأهل الكتاب{[564]} . انتهى .
قوله : ( ذلك الكتاب( ( ذلك( اسم إشارة في موضع رفع مبتدأ ، وخبره ( الكتاب ( .
وقيل : ( الكتاب ( بدل من ذلك ، وقيل : صفته ، وخبر الإشارة ( لا ريب فيه ( يعني لاشك فيه فهو لوضوحه وسطوع برهانه لا يحتمل أيما ارتياب وأن ما يتجلى في القرآن من ظواهر في الإعجاز ينطق في يقين مكشوف أن هذا الكتاب منزل من عند الله فهو يعلو على الشبهات والظنون .
قوله : ( هدى للمتقين ( الهدى مصدر ومعناه الدلالة ، ويراد به الدلالة التي توصل إلى البغية ، وهو في مقابل الضلالة وهي الزلل والضياع ، والمتقون هم الذين ثبتت لهم التقوى ، والمتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة .
وكذا التوقي ، ومنه فرس واق أي يقي راكبه مما يؤذيه ، والتقوى في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة ، وهي في الحقيقة والواقع إحساس ذاتي رهيف ينبثق عن عقيدة التوحيد الخالص ليرسخ في القلب الوجدان كله ، لا جرم أن ذلك إحساس وجداني غامر يفيض على النفس فينمي فيها شعور الخوف من الله بما يظل للمؤمن رقيبا يحول بينه وبين الآثام والمعاصي ، أو الدنايا والخسائس وصغائر الذنوب .
والقرآن بما حواه من روائع ومناهج في العقيدة والقيم ، وفي الفكر والسلوك والنظم ، فإنه هداية للبشرية كافة ، وقد خص الله المتقين تشريفا لهم وإجلالا .
إن هذا الكتاب الحكيم يتضمن مقاليد الخير والسعادة والصلاح جميعا ، وفيه من أسباب النجاة و والسلامة والفوز ما تنجو به البشرية من كل ألوان التعثر والخطيئة والزلل وما يجعلها على أقوم محجة لتفوز وتنجو في هذه الدنيا ويوم يقوم الإشهاد .