{ ولقد همت به وهم بها . . } الهم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه . ولا خلاف في أن همها كان بالمعصية ، وكان عزما وجزما ، ولا في أن يوسف عليه السلام لم يأت بفاحشة ، وأن الله برأه منها وأنطق المرأة ببراءته ، وأن همه عليه السلام كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية ، من غير جزم وعزم . و ذلك لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوة ، كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الحار فتميل نفسه إليه ، ولكن يمنعه منه دينه فلا يؤاخذ بهذا الليل ، وقوله تعالى : { لولا أن رأى برهان ربه } أي لولا مشاهدته البرهان الإلهي على شناعة المعصية لجرى على موجب ميله الجبلي ، لكنه لمشاهدته البرهان استمر على ما هو عليه من الطهارة وإياه المعصية . ولذا قيل : الهم همان :
هم ثابت ، وهو كان معه عزم وعقد ورضا ، مثل امرأة العزيز . وهم عارض ، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، مثل هم يوسف وقد عصمه الله وصرف عنه السوء
والفحشاء ، كيف وهو من عباد الله المخلصين ؟ . وقيل : إنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه بالقوة
و كاد ، لولا أن أراه الله أنه لو فعل ذلك لفعلت معه ما يوجب هلاكه ، فكان في الامتناع عنه صون نفسه من الهلاك ، فربما تعلقت به فتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله أن الشاهد يشهد بأن تمزيقه من الأمام دليل جنايته ، وتمزيقه من الخلف دليل جنايتها وبراءته ، فلا جرم لا يشتغل بدفعها بالقوة وفر عنها هاربا ، حتى صارت الشهادة حجة له على براءته . فلم يقع منه هم بالفاحشة ، وإنما وقع منه الهم بدفع امرأة العزيز عن نفسه ، ولم يحصل الدفع لرؤيته برهان ربه . وفي البحر : أنه لم يقع منه هم البتة ، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ، وهو نظير قولك : قارفت الذنب لولا عصمك الله . وجواب { لولا } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي لولا أن رأى البرهان لهم بها ، أي أن الهم كان يوجد لو لم ير برهان ربه ، لكنه رآه فانتفى الهم .
ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلاّ إذا كان عند غلبة الهوى وترامي الشهوة كما هو شأن الرجولية ، قال تعالى رداً على من يتوهم ضد ذلك : { ولقد همت به } أي أوقعت الهم ، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته ، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها { وهمَّ بها } كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب { لولا أن رءآ } أي بعين قلبه { برهان ربه{[41102]} } الذي آتاه إياه من الحكم والعلم ، أي لهمّ بها ، لكنه لما{[41103]} كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين ، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى ، فلم يهم أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب ، فلولا المراقبة لهمّ بها لتوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلاً ، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء ، وأن السجن أحب إليه من ذلك ، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها{ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً }[ يوسف :25 ] - الآية{[41104]} ، من مطلق الإرادة ، ومع ما تحتم{[41105]} تقدير{[41106]} ما ذكر بعد " لولا " في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب ، فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل{[41107]} شرط من{[41108]} معنى ما دل عليه ما قبله ، وهذا مثل قوله تعالى
إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها{[41109]} }[ القصص :10 ] أي لأبدت به ، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن{[41110]} الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت{[41111]} ، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب " لولا " المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان ، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال : إن هذا قول المحققين من المفسرين ، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب{[41112]} الأسماع ، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل ، وأنه ما منعه منه إلاّ{[41113]} العلم بالله ، فكأنه قيل : إن هذا التثبيت عظيم ، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة : { كذلك } أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر { لنصرف عنه السوء } أي الهمّ بالزنا وغيره { والفحشاء } أي الزنا وغيره ، فكأنه قيل : لِمَ فعل به هذا ؟ فقيل { إنه من عبادنا } أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة { المخلصين * } أي هو في عداد الذين هم خير صرف ، لا يخالطهم غش ، ومن ذريتهم أيضاً ، وهذا مع قول إبليس{ لأغوينهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين{[41114]} }[ ص :83 ] شهادة من إبليس{[41115]} أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء من الهمّ في هذه الواقعة ؛ قال الإمام{[41116]} : فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين الله فليقبل شهادة الله ، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته ، قال : ولعلهم يقولون : كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل{[41117]} :
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى *** من الأمر حتى صار إبليس من جندي{[41118]}
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده *** طراييق فسق ليس يحسنها بعدي{[41119]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.