صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (55)

{ إني متوفيك ورافعك إلي } أي آخذك وافيا بروحك وجسمك ، ورافعك إلى محل كرامتي ، فالعطف للتفسير . يقال : وفيت فلانا حقه ، أي أعطيته إياه وافيا ، فاستوفاه وتوفاه ، أي أخذه وافيا . أو قابضك ومستوفي شخصك من الأرض ، من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه .

واعلم أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ، كما قال تعالى : { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } {[90]} وقال : { وما قتلوه يقينا } {[91]} . فاعتقاد النصارى القتل والصلب كفر لا ريب فيه . وقد أخبر الله تعالى أنه رفع إليه عيسى ، كما قال : { ورافعك إلي } وقال : { بل رفعه الله إليه } {[92]}فيجب الإيمان به .

والجمهور على أنه رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء . والخصوصية له عليه السلام هي في رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له ، أما التوفي المذكور في هذه الآية ، وفي قوله تعالى { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } فالمراد منه ما ذكرنا على الرواية الصحيحة عن ابن عباس والصحيح من الأقوال ، كما قاله القرطبي ، وهو اختيار الطبري وغيره . وكما كان عليه السلام في مبدء خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة ، كان في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة . والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول ، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل عليهم السلام .

{ ومطهرك من الذين كفروا } بتبعيدك منهم برفعك ، وبنجاتك مما قصدوا بك .

{ وجاعل الذين اتبعوك . . } هم كل من آمن بأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وآمن بما جاء به من التوحيد الذي به جميع الرسل . ويندرج فيهم المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين آمنوا برسل الله جميعا ، ولم يفرقوا بين أحد منهم ، وهم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان إلى يوم القيامة .


[90]:: آية 157 النساء.
[91]:: آية 158 النساء.
[92]:آية 117 المائدة.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (55)

قوله تعالى : " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك " العامل في " إذ " مكروا ، أو فعل مضمر . وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى : " إني متوفيك ورافعك إلي " على التقديم والتأخير ؛ لأن الواو لا توجب الرتبة . والمعنى : إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء ؛ كقوله : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " {[3127]} [ طه : 129 ] ، والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما . قال الشاعر :

ألا يا نخلة من ذات عِرقٍ *** عليك ورحمة الله السلام

أي عليك السلام ورحمة الله . وقال الحسن وابن جريح : معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته . وقال وهب بن منبه : توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء . وهذا فيه بعد ، فإنه صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نزوله وقتله الدجال على ما بيناه في كتاب التذكرة ، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدم ، ويأتي . وقال ابن زيد : متوفيك قابضك ، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعد . وروى ابن طلحة عن ابن عباس معنى متوفيك مميتك . الربيع بن أنس : وهي وفاة نوم ، قال الله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " {[3128]} [ الأنعام : 60 ] أي ينيمكم لأن النوم أخو الموت ، كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل : أفي الجنة نوم ؟ قال : ( لا ، النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها ) . أخرجه الدارقطني . والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد ، وهو اختيار الطبري ، وهو الصحيح عن ابن عباس ، وقاله الضحاك . قال الضحاك : كانت القصة لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة ، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة . فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة ؟ فقال رجل : أنا يا نبي الله ، فألقى إليه مدرعة{[3129]} من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى ، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه . وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم : أما إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا . فقال عيسى : اجلس ، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا . فقال نعم أنت ذاك . فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام . قال : ورفع الله تعالى عيسى من رَوْزَنة{[3130]} كانت في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه ، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به ، فتفرقوا ثلاث فرق : قالت فرقة : كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء ، وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فقتلوا ، فأنزل الله تعالى : " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا " {[3131]} [ الصف : 14 ] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى " على عدوهم " بإظهار دينهم على دين الكفار " فأصبحوا ظاهرين " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القِلاص{[3132]} فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ) . وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء{[3133]} حاجا أو معتمرا أو ليَثنينَّهما ) ولا ينزل بشرع مبتدأ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجددا لما درس منها متبعها . كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ) . وفي رواية : ( فأمّكم منكم ) . قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم منكم ؟ . قلت : تخبرني . قال : فأَمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم . وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله . و " متوفيك " أصله متوفِّيُك حذفت الضمة استثقالا ، وهو خبر إن . " ورافعك " عطف عليه ، وكذا " مطهرك " وكذا " وجاعل الذين اتبعوك " . ويجوز

" وجاعل{[3134]} الذين " وهو الأصل . وقيل : إن الوقف التام عند قوله : " ومطهرك من الذين كفروا " . قال النحاس : وهو قول حسن .

" وجاعل الذين اتبعوك " يا محمد " فوق الذين كفروا " أي بالحجة وإقامة البرهان . وقيل بالعز والغلبة . وقال الضحاك ومحمد بن أبان : المراد الحواريون . والله تعالى أعلم .


[3127]:- راجع جـ11 ص 260.
[3128]:- راجع جـ7 ص 5.
[3129]:- المدرعة (بالكسر): الدراعة وهي ثوب من كتان.
[3130]:- الروزنة: الكوة.
[3131]:- راجع جـ18 ص 90.
[3132]:- القلاص (بالكسر): جمع قلوص وهي الناقة الشابة.
[3133]:- فج الروحاء: طريق بين مكة والمدينة، كان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وعام الحج. (عن معجم ياقوت).
[3134]:- كذا في بعض الأصول وكتاب إعراب القرآن للنحاس. وفي ز: وجعل.