الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا} (17)

{ فاتخذت من دونهم حجابا } أي : سترا يسترها عن الناس .

ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء ، وكان زوج أختها ، وكان لها محراب تصلي فيه ، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب ، فآذاها يوما القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها ، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل{[43975]} في يوم شديد البرد ، فجلست في شرفة من الشمس ، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما{[43976]} هي جالسة إذ أتاها{[43977]} جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص{[43978]} عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت ، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة ، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } . أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قص الله علينا .

ثم قال تعالى : { فأرسلنا إليها روحنا }[ 16 ] .

قال قتادة وابن جريج{[43979]} ووهب بن منبه{[43980]} : هو جبريل صلى الله عليه وسلم .

وقيل : الروح : عيسى ، لأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم .

وقيل{[43981]} : معناه ، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشرا سويا . أي تمثل فيها ، يعني عيسى .

قال أبي بن كعب{[43982]} : ( كان روح عيسى بن{[43983]} مريم من{[43984]} الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها{[43985]} الميثاق ، فأرسل ذلك الروح إلى مريم ، فدخل من{[43986]} فيها ، فحملت بعيسى عليه السلام{[43987]} . والله أعلم بذلك كله .

والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله : ( فتمثل لها بشرا ) لأن عيسى بشر ، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي ، سوي الخلق ، معتدلة . وإنما{[43988]} سمي جبريل صلى الله عليه وسلم روحا ، لأنه يأتي بما يحيى به العباد من الوحي ، ولهذا سمي عيسى{[43989]} أيضا روحا ، وسمي القرآن روحا .

وقيل{[43990]} : إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض .

وقيل{[43991]} : لتخلو بالعبادة .


[43975]:(ز): مقفول.
[43976]:(ز): فبينما.
[43977]:(ز): أتاها هي.
[43978]:(ز): فقطط – تحريف.
[43979]:(ز): ابن جبير: تحريف.
[43980]:انظر: جامع البيان 16/60 وتفسير ابن كثير 3/115 والدر المنثور 4/267.
[43981]:انظر: معاني الزجاج 3/322.
[43982]:هو أبي بن كعب، ويكنى أبا المنذر، وهو من الأنصار (ت 22 هـ) له ترجمة في المعارف 261 ومعرفة القراء الكبار 1/28 وتذكرة الحفاظ 1/16 وغاية النهاية 1/31.
[43983]:(ز): ابن.
[43984]:(من) سقط من (ز).
[43985]:(ز): عليه.
[43986]:(من) سقط من (ز).
[43987]:انظر: تفسيرا بن كثير 3/115.
[43988]:(ز): ومنه.
[43989]:(عيسى) سقط من (ز).
[43990]:القول للسدي في جامع البيان 16/59 وتفسير القرطبي 11/90.
[43991]:انظر: الكشاف 4/4 وتفسير القرطبي 11/90.