تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال: {وإذ} يعني وقد {قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} وحده، فاستثنى، لم يسجد {أبى واستكبر}، يعني وتكبر عن السجود لآدم... قال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (الأعراف: 12)، {وكان} إبليس {من الكافرين} الذين أوجب الله عز وجل لهم الشقاء في علمه، فمن ثم لم يسجد.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
أما قوله: "وإذْ قُلْنَا "فمعطوف على قوله: "وَإذْ قَالَ رَبّكَ للْمَلاَئِكَةِ "كأنه قال جل ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل معدّدا عليهم نعمه، ومذكرهم آلاءه على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم، فخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أُمِرَ بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه: "إلاّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ" قالَ مَا مَنَعَكَ أنْ لاَ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ"، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمره من الملائكة بالسجود لاَدم، ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لاَدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره ونَفَى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه هل هو من الملائكة أم هو من غيرهم؟
عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة، يقال لهم «الجنّ»، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار، وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم، إذ كان جائزا أن يكون خلق صنفا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته...
وقال آخرون:...عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. [و] عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: "إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ" إلجاءٌ إلى نسبه، فقال الله: "أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي" الآية... وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
القول في معنى "إبليس": وإبليس من الإبلاس: وهو الإياس من الخير والندم والحزن...
عن ابن عباس، قال: إبليس أبلسه الله من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته...
وكما قال الله جل ثناؤه: "فإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ" يعني به أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنا...
"أبى" يعني جل ثناؤه بذلك إبليس أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له. "واستكبر" يعني بذلك أنه تعظم وتكبر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا وإن كان من الله جل ثناؤه خبرا عن إبليس، فإنه تقريع لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحقّ.
وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله والتذلل لطاعته والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم اليهودُ الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبارهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته عارفين وبأنه لله رسول عالمين، ثم استكبروا مع علمهم بذلك عن الإقرار بنبوّته والإذعان لطاعته، بغيا منهم له وحسدا، فقرّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لاَدم حسدا له وبغيا نظير فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته، إذ جاءهم بالحقّ من عند ربهم حسدا وبغيا. ثم وصف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضربه لهم مثلاً في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه: "وكان" يعني إبليس "من الكافرين": من الجاحدين نعم الله عليه وأياديه عنده بخلافه عليه فيما أمره به من السجود لاَدم، كما كفرت اليهود نعم ربها التي آتاها وآباءها قبل: من إطعام الله أسلافهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصا ما خصّ الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ومشاهدتهم حجة الله عليهم فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدا وبغيا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى الكافرين، فجعله من عدادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة، كما جعل أهل النفاق بعضهم من بعض لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: "المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ" يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال، فكذلك قوله في إبليس: "كانَ مِنَ الكَافِرِينَ" كان منهم في الكفر بالله ومخالفته أمره وإن كان مخالفا جنسه أجناسهم ونسبه نسبهم.
ومعنى قوله: "وكانَ مِنَ الكَافِرينَ" أنه كان حين أبى عن السجود من الكافرين حينئذ...
عن أبي العالية أنه كان يقول في تأويل قوله: "وكانَ مِنَ الكافِرِينَ" في هذا الموضع وكان من العاصين...
[و] عن قتادة قوله: "وَإذْ قُلْنَا للْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ" فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
قال ابن حزم: لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن سجود الملائكة لله تعالى سجود عبادة، ولآدم سجود تحية وإكرام...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقال جمهور المتأولين: معنى {وكان من الكافرين} أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة.
اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولا ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجودا للملائكة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله تعالى من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمنا...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
بعد ما عرف الله الملائكة بمكانة آدم ووجه جعله خليفة في الأرض أمرهم بالخضوع له وعبر عن ذلك بالسجود، فقال {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وهو سجود لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان ووضع الجبهة على التراب، وكان عند بعض القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام. والسجود لله تعالى قسمان، سجود العقلاء المكلفين له تعبدا على الوجه المشروع – وسجود المخلوقات كلها لمقتضى إرادته فيها. قال تعالى {13: 15 ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} الآية وقال {والنجم والشجر يسجدان} وفي معناهما آيات. {فسجدوا إلا إبليس} أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس وهو فرد من أفراد الملائكة، كما يفهم من الآية وأمثالها في القصة إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن {17: 50 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلا جوهريا يميز أحدهما عن الآخر وإنما هو اختلاف أصناف، عند ما تختلف أوصاف، كما ترشد إليه الآيات. فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة، وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله تعالى {37: 158 وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} وعلى الشياطين في آخر سورة الناس [وعلى كل حال فجميع هؤلاء المسميات بهذه الأسماء من علام الغيب لا نعلم حقائقها ولا نبحث عنها ولا نقول بنسبة شيء إليها ما لم يرد لنا فيه نص قطعي عن المعصوم صلى الله عليه وسلم] وصف الله تعالى إبليس بأنه {أبى} السجود والانقياد {واستكبر} فلم يمتثل أمرا الحق ترفعا عنه. وزعما بأنه خير من الخليفة عنصرا، وأزكى جوهرا، كما حكى الله تعالى عنه في غير هذه السورة {7: 11 قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} والاستكبار بمعنى التكبر وهو الظهور بصفة الكبرياء التي من آثارها الترفع عن الحق، كأن السين والتاء للإشعار بأن الكبر ليس من طبيعة إبليس ولكنه مستعد له، ثم قال تعالى بعد وصفه بالإباء والاستكبار {وكان من الكافرين} قال بعض المفسرين كان من حق الترتيب أن يقال: كان من الكافرين واستكبر وأبى لأن الكفر عنده سبب الاستكبار والاستكبار سبب الإباء، ومثل هذا المفسر يعلل مخالفة الترتيب الطبيعي في النظام برعاية الفاصلة (قال الأستاذ) ولكن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر، فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لأنه المقصود بالذات وهو الإباء ثم يذكر سببه وعلته وهو الاستكبار ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.
(أقول) وقال بعض المفسرين: إنَّ "كان "هنا بمعنى صار وخطأه ابن فورك وقال إن الأصول ترده، ووجهه عند قائله: وصار بهذا الإباء والاستكبار من جملة الكافرين، لما علم من أنه لم يكن قبل هذا العصيان المتضمن للاعتراض على الرب سبحانه من الكافرين، وقد جعل بعضهم مناط كفره هذا الاعتراض على ربه عز وجل لأن المعصية وحدها لا تقتضي الكفر كما تدل عليه النصوص، وفيه أن ذلك في معصية المسلم، وهو المذعن لأمر الله ونهيه إذا غلبه غضب أو شهوة فعصى، وهو لا يلبث أن يندم ويتوب. وعصيان إبليس رفض للإذعان والاستسلام ابتداء وهو كفر بغير نزاع، ككفر الذين صدقوا الرسل بقلوبهم ولم يتبعوهم عنادا واستكبارا {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} والجمهور: أن المعنى: وكان في علم الله من الكافرين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وفي هذه الآيات من العبر والآيات:
أن الله تعرف لملائكته، بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم، إكراما له، لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير، إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة، فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن، وبيان فضل آدم، وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له، إلى غير ذلك من العبر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا)..
إنه التكريم في أعلى صوره، لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة. لقد وهب سر المعرفة، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق.. إن ازدواج طبيعته، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة.. إن هذا كله بعض أسرار تكريمه.
ولقد سجد الملائكة امتثالا للأمر العلوي الجليل.
(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)..
وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة: عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله. والعزة بالإثم. والاستغلاق عن الفهم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إظهارُ مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء منها عَنْ فائدة من وجوده في هذا العالم؛ وإظهارُ فضيلة المعرفة،
وبيانُ أن العالم حقيق بتعظيم مَن حوله إياه وإظهارُ ما للنفوس الشريرة الشيطانية من الخبث والفساد،
وبيانُ أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية،
وأن الفساد والحسد والكِبر من مذام ذوي العقول [السليمة]...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
كفر إبليس كان يعود إلى نفس السبب أيضاً، فقد اعتقد بعدم صواب الأمر الإِلهي، وبذلك لم يعصِ فحسب، بل انحرف عقائدياً. وهكذا ذهبت أدراج الرياح كل عباداته وطاعاته نتيجة كبره وغروره. وهكذا تكون دوماً نتيجة الكبر والغرور.
ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا{[1671]} ضم إليها الإنعام بإسجاد الملائكة له ونحن في ظهره فقال عاطفاً على " إذ " الأولى{[1672]} وعدل{[1673]} عن الغيبة إلى التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاماً بأنه أمر فصل لا فسحة في المراجعة فيه . وقال الحرالي : لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة و{[1674]}ما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم عليه السلام نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلاً كما انقادوا له علماً تماماً لكمال حالهم في التسليم علماً وعملاً فقال تعالى - انتهى . { وإذ قلنا } أي على عظمتنا { للملائكة } أي الذين أكرمناهم بقربنا { اسجدوا لآدم } عبدنا اعترافاً بفضله لتفضيلنا له .
قال الحرالي : فجعله باباً إليه وكعبة يجلّونه بجلاله تعالى ومحراباً وقبلة ، يكون سجودهم له سجوداً لله تجاه آدم كسجود آدم{[1675]} تجاه الكعبة{[1676]} ، وظهر بذلك سوء إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة الكيان ، لأن الملائكة خلقت من نور والنور طوع لا يحوزه أين ولا يختصه{[1677]} جهة ، ولأن الجان خلقت من نار وهي مما يحوزه أين وتختصه{[1678]} جهة لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر ، فلم ينزل عن{[1679]} رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى . فبادروا الامتثال { فسجدوا } أي كلهم{[1680]} له كما أمرهم الله تعالى{[1681]} { إلا إبليس{[1682]} } . قال الحرالي : من الإبلاس وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ذلك السبب - انتهى .
فكأنه قيل : ما فعل ؟ فقيل{[1683]} : { أبى } ، من الإباء وهو امتناع عمل{[1684]} حقه الإجابة فيه - قاله الحرالي . { واستكبر } عن السجود له{[1685]} ، من الاستكبار وهو استجلاب الكبر ، والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم{[1686]} ، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي .
{ وكان } {[1687]}أي في أصل جبلته{[1688]} بما أفهمه{[1689]} الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة إما جهلاً أو جوراً في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه { من } وهي كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي . { الكافرين } أي الذين سبق علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه . {[1690]}
وفي الآيات الثلاث { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } و { كيف تكفرون بالله } و { إذ قال ربك للملائكة } أيضاً إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب بوصف الربوبية مع الخُلّص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات ، وذلك أنه تعالى لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به إشارة إلى شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن شهوده في كل اعتبار أوضح من ضياء النهار ، لأنه ما ثمَّ{[1691]} إلا ذاته وأفعاله وصفاته :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
متجلياً عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي هم لها ناظرون وبها عارفون ، فقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم } إلى أن قال : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } الآية ، وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله { ثم إليه{[1692]} ترجعون } تنبيهاً على مشاركته لبقية{[1693]} ما في الآية من الظهور ، لما قدم من الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين تعرف{[1694]} إليهم بوصف الربوبية الناظر إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في مثل ما هنا من أفعاله الظاهرة وآثاره الباهرة فقال : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } إلى آخرها ؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل لما قام عليه من الدليل ضمن هذا التعجيب{[1695]} إشارة إلى الاستدلال على كمال الأمثال وتحديداً لمن يستمر على الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى{[1696]} منه ومسمع{[1697]} في كل حال ، فلما فرغ من خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان إلى غيب مقاولته لملائكته فقال : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل } الآية فلكل مقام مقال{[1698]} ، ولكل مخاطب{[1699]} حد في الفهم وحال .
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب السَابع في إضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن : اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له وأريد له ، فرب كل شيء مقيمه{[1700]} بحسب{[1701]} ما أبداه وجوده ، فرب المؤمن ربه ورباه للإيمان ، ورب الكافر ربه ورباه للكفران ، ورب محمد ربه ورباه للحمد - " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، ورب العالمين ربى{[1702]} كل عالم لما خلق له
أعطى كل شيء خلقه ثم هدى{[1703]} }[ طه : 50 ] ؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه - من عرف نفسه عرف ربه
{ سبح اسم ربك الأعلى{[1704]} }[ الأعلى : 1 ]
{ فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك{[1705]} }[ الكهف : 18 ] { اعبدوا ربكم الذي خلقكم }
{ لهم أجرهم عند ربهم{[1706]} }[ البقرة : 262 ] .
وقال في الباب الذي بعده : فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن
{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل{[1707]} }[ الفرقان : 4 ] الآية{[1708]}
{ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً{[1709]} }[ الفرقان : 47 ] الآية ، تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما يتضح لأهل التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان في اسم{[1710]} الله غيباً في متجلى{[1711]} الآيات للمؤمن ، وعيناً للكامل الموقن ، وجمعاً وإحاطة عن{[1712]} بادىء الدوام للمحقق الواحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد
{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم{[1713]} }[ آل عمران : 101 ]
{ قل هو الله أحد{[1714]} }[ الإخلاص : 1 ] ؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في القرآن من مفاتيح الفهم وبوادىء مزيد العلم - انتهى .
وقد أوقع سبحانه ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في صحيحه{[1715]} والنسائي في التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي{[1716]} فقال : " خلق الله التربة{[1717]} يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل{[1718]} . " وقال المزي{[1719]} في الأطراف قال البخاري في التاريخ : وقال بعضهم : أبو هريرة عن كعب وهو أصح - انتهى .
وما يقال من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق يعصون قاس عليهم الملائكة{[1720]} عليهم السلام{[1721]} حال آدم عليه السلام{[1722]} ، كلام لا أصل له ، والذي يدل عليه حديث مسلم هذا كما ترى أنه{[1723]} أول ساكني الأرض ؛ والذي يلوح من اسمه في بدئه{[1724]} بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها وختامها أنه أول ساكنيها بنفسه ، كما أنه خاتمهم بأولاده ، عليهم تقوم الساعة . ورأيت في ترجمة للتوراة{[1725]} وهو أولها : خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الظلمة فقال الله : ليكن النور ، فكان النور ، فأراد{[1726]} أن يفرق بين النور والحِندِس فسمى النور نهاراً والحندس مساءً ؛ ثم قال : ليكن جَلَد وسط الماء ويميز بين الماء الأعلى{[1727]} والماء الأسفل .
وفي نسخة{[1728]} : ليكن سقف بين المياه ليفصل بين الماء والماء ، فكان كذلك فخلق الله سقفاً وفصل به بين الماء الذي{[1729]} تحت الجلد{[1730]} والماء الذي فوق الجلد وسمى الله الجلد سماء{[1731]} ؛ وقال الله : لتجتمع{[1732]} المياه التي تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة{[1733]} ، فكان كذلك فسمى الله اليابسة أرضاً وسمى مجامع المياه بحوراً ؛ وقال : لتخرج{[1734]} الأرض نبت عشب يزرع منه زرع{[1735]} لجنسه وشجر{[1736]} ذات ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض ، فأينعت الأرض نبتاً عشباً يزرع منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار{[1737]} لجوهرها ؛ فقال الله : ليكن نجمان في جلد السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل وليكونا للآيات والأزمان والعدد والأيام والسنين ، فخلق الله نورين عظيمين : المصباح الأكبر لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل{[1738]} وخلق النجوم ، وكان المساء والصباح من اليوم الرابع ؛ فقال الله : ليحت الماء{[1739]} حيتاناً ذات أنفس{[1740]} حية ، وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء ، فكان كذلك ؛ وخلق تنانين{[1741]} عظيمة وكل نفس حية{[1742]} تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة لأصنافها وباركها وقال : انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير على وجه الأرض ؛ وقال الله : لتخرج{[1743]} الأرض أنفساً حية لجنسها دواب وسباع الأرض لأجناسها ، فكان كذلك ؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها{[1744]} والدواب لأصنافها وجميع هوام الأرض لجواهرها .
فأراد الله أن يخلق خلقاً يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى الدواب وجميع السباع وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم{[1745]} بصورته ذكراً وأنثى وبارك عليهما وقال لهما : انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان البحر وطير السماء والدواب وجميع السباع ؛ وقال : ها أنا ذا{[1746]} قد أعطيتكما جميع العشب{[1747]} الذي يزرع على وجه الأرض كلها وكل شجر ذات ثمار تغرس فيها ليكون لكما{[1748]} مأكلاً ولجميع سباع البر وطيور السماء ولكل{[1749]} ما يدب على الأرض فيه نفس حية ، فكان كذلك ؛ وكملت السماء والأرض وجميع ما فيهما في اليوم السادس ، ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب الأرض ، لأن الله لم يكن أهبط المطر على وجه الأرض بعد ، وذلك لأن آدم لم يكن خلق بعد ليعمل في الأرض ، وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه الأرض .
فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار آدم ذا نفس حية{[1750]} وغرس الله الرب فردوساً بعدن من قبل وأسكنه آدم ، وأنبت الله كل شجرة حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير والشر ، وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق على أربعة أطراف : اسم أحدها{[1751]} سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد الكثيرة ، وذَهَب تلك الأرض جيد جداً ، هنالك المها وحجر البلور ، واسم النهر الثاني جيحون الذي يحيط {[1752]}بجميع أرض{[1753]} الحبشة ، واسم النهر الثالث دجلة {[1754]}الذي يخرج{[1755]} قبالة الموصل ، والنهر الرابع الفرات ؛ فتقدم الرب إلى آدم وقال له : كل من جميع أشجار الفردوس ، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل{[1756]} منها ، لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت{[1757]} موتاً .
وقال الله : لا يحسن أن يكون آدم وحده فلنخلق له عوناً مثله{[1758]} ، فجمع الرب من الأرض جميع سباع البر وطير السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها وكل نفس حية سماها آدم فذلك اسمها فسمى الجميع ، فألقى الله على آدم سباتاً{[1759]} فرقد ، فنزع ضلعاً من أضلاعه وأخلف له بدله لحماً ، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من آدم امرأة ، فأقبل بها إلى آدم فقال : هذه الآن التي قرنت{[1760]} إليّ ! وفي هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي ! فلتدع{[1761]} امرأة لأنها أخذت من الرجل ، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ويلحق بامرأته ويكونان{[1762]} كلاهما جسداً واحداً ؛ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته ولا يستحييان .
وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة : أحق أن الله قال لكما : لا تأكلا من جميع شجر الجنة ؟ فقالت المرأة : إنا لنأكل من كل ثمر الجنة{[1763]} ، فأما من ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة فإن الله قال لنا : لا تأكلا منها ولا تقرباها{[1764]} لكيلا تموتا ؛ قالت الحية : لستما{[1765]} تموتان ، ولكن الله علم أنكما إن{[1766]} تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا كالإله{[1767]} تعلمان الخير والشر{[1768]} . فرأت المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية{[1769]} في العين فأخذت من ثمرتها فأكلت وأعطت بعلها فأكل ، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان ، فوصلا من ورق التين وصنعا مآزر .
ثم ذكر أن الله تعالى سأله عن ذلك فقال آدم : المرأة التي{[1770]} قرنتها معي هي{[1771]} أطعمتني{[1772]} من الشجرة فأكلت{[1773]} ، فقال الله الرب للمرأة : ما{[1774]} هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة : إن الحية أعطتني فأكلت{[1775]} ، فقال للحية : ملعونة تكونين من جميع الدواب ومن كل ماشية البر ، وعلى بطنك تمشين ، والتراب تأكلين كل أيام حياتك ، وأغرى العداوة بينك وبين المرأة وبين ولدها ، وولدها يطأ رأسك وأنت تلدغينهم{[1776]} بأعقابهم ! وقال للمرأة : أكثر{[1777]} أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين البنين ، وإلى بعلك تردين وهو مسلط عليك ! وقال لآدم : من أجل طاعتك امرأتَك وأكلك الشجرة التي نهيتك عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل أيام حياتك أجاجاً وشوكاً تنبت{[1778]} لك ، وتأكل عشب الأرض ، وبرشح{[1779]} جبينك تأكل طعامك حتى تعود في الأرض التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب تعود .
فدعا آدم اسم امرأته حواء{[1780]} من أجل أنها كانت أم كل حي ، وصنع الله الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسها{[1781]} ، فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ ، فأخرجه الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكاً من الكروبيين بيده حربة يطوف بها ليحرس طريق شجرة الحياة .
ثم قال بعد ذلك : فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة ثم توفي{[1782]} عليه السلام - هذا نص التوراة . والكروب بوزن زبور بلغة العبرانيين{[1783]} الشخص الصغير{[1784]} ، فكان الكروبيون{[1785]} الملائكة{[1786]} المنسوبين{[1787]} إلى مخالطة الناس بالوحي أخذاً من الكروبَين{[1788]} تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان كان{[1789]} يسمع كلام الله من بينهما ، كما يأتي قريباً .
فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو{[1790]} بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهاداً على كذب اليهود :
{ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين{[1791]} }[ آل عمران : 93 ] وقوله تعالى :
{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه{[1792]} }[ المائدة : 48 ] - في آيات من{[1793]} أمثال ذلك كثيرة ؛ وذكرته باستشهاد النبي صلى الله عليه وسلم التوراة في قصة الزاني كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة مستوفى . وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال{[1794]} : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلاً لأهل الجنة ، فأتى رجل من اليهود فقال : بارك{[1795]} الرحمن{[1796]} عليك يا أبا القاسم ! ألا أخبرك بنُزُل{[1797]} أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال : بلى{[1798]} . قال : تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر النبي{[1799]} صلى الله عليه وسلم{[1800]} إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه " وقريب{[1801]} من ذلك حديث الجساسة في أشباهه . هذا فيما يصدقه كتابنا .
وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه ، {[1802]}وهو {[1803]}معنى ما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا : { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم{[1804]} } " الآية ، فإن دلالة هذا على سُنِّية ذكر{[1805]} مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها ، و{[1806]}لذا أخذ{[1807]} كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب .
فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستنداً إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه : وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به ، لأنهم بدلوا وغيروا ، وكذا قال{[1808]} غيره من الأصحاب ؛ قيل له : هذا مخصوص بما علم تبديله{[1809]} ، بدليل أن كل من قال ذلك علل [ بالتبديل-{[1810]} ] فدار الحكم معه ، ونص الشافعي ظاهر في ذلك ، قال المزني{[1811]} في مختصره في باب جامع السير : {[1812]}وماكان من كتبهم أي الكفار{[1813]} فيه طب وما لا مكروه فيه بِيعَ و{[1814]}ما كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته .
وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم قال {[1815]}الشافعي : و{[1816]}ما وجد من كتبهم فهو مغنم كله ، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه ، فإن كان علماً من طب أو غيره لا {[1817]}مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه من المغانم ، وإن كان كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها ، ولا وجه لتحريقه{[1818]} ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو - انتهى .
فقوله في الأم : كتاب شرك ، مفهم لأنه كله شرك ، ولهذا عبر المزني عن ذلك بقوله : وما كان فيه شرك ، أي في أبواب الكتاب وفصوله ، وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث : إن حكمها في مس المحدث حكم ما نُسِخَتْ تلاوته من القرآن في أصح الوجهين ، والتعبير بالأصح على ما اصطلحوا عليه يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قوى ، وأدل من ذلك ما ذكره محرر{[1819]} المذهب الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر{[1820]}باب الأحداث من شرح المهذب وأقرّه أن المتولي قال : فإن ظن أن فيها شيئاً غير مبدل كُرِه مسه - انتهى . فكراهة المس للاحترام ، والاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة ، وأصرح من ذلك كله قول الشافعي رحمه الله : إن ما لا مكروه{[1821]} فيه يباع ، وكذا قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء : وكذلك لو تكلم - أي الجنب - بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز ، قالت عائشة رضي الله عنها : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه " فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث ، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجىء جاز للمحدث ولا عكس ، وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر الله{[1822]} تعالى ، ولا يجوز الحمل على العموم لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين : إنه يجوز الاستنجاء بهما ، لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل ؛ وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما ، لأنه لا يخفى على أحد أن مسلماً فضلاً عن عالم لا يقول : إنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح قال الله جميع هذه الآيات كلها : أنا {[1823]}الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا تكونن{[1824]} لك آلهة غيري ، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما{[1825]} في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض ، {[1826]}لا تسجدن لها ولا تعبدنها ، لأني أنا الرب إلهك إله غيور ، لا تقسم{[1827]} بالرب إلهك كذباً ، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذباً ، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها{[1828]} الرب إلهك ، لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، لا تشهد على صاحبك شهادة زور .
وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في آخر شرحه للبخاري ، وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية - فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون - وبين غيره فلا يجوز له ذلك{[1829]} ، وأيده بنظر الأئمة فيهما قديماً وحديثاً والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منهما ؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه - والله الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي{[1830]} ؛ ثم صنفت في ذلك تصنيفاً حسناً سميته " الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة " .
تنبيه : اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا يسيراً : إحداها تسمى توراة السبعين ، وهي التي اتفق عليها اثنان وسبعون حبراً{[1831]} من أحبارهم{[1832]} ؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عدداً من حفاظ التوراة ، فأرسل إليه اثنين{[1833]} وسبعين حبراً ، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتّاباً وتراجمة ، فكتبوا التوراة بلسان اليونان ، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت مختلفة اللفظ متحدة المعنى ، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا ، وهذه النسخة ترجمت بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى ؛ والنسخة الثانية نسخة اليهود من الربانيين والقرائين ، والنسخة الثالثة نسخة السامرة ؛ وقد نبه على مثل ذلك الإمام السمرقندي في{[1834]} الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة على كثير من مسائل أصول الدين ، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم .
ثم اعلم أن أكثر ما{[1835]} ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها . على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ{[1836]} فيها ، فالظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جداً ، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر فكملته من نسخة{[1837]} السبعين ، ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم{[1838]} و كان هو القارئ{[1839]} ، فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب ، هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى :
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين{[1840]} }[ الحجر : 29 ] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان عقب النفخ ، وبه صرح البغوي في تفسيره ، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف
{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم{[1841]} }[ الأعراف : 11 ] بأجوبة ، منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده ، وذكره بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره{[1842]} تصويرهم ؛ ومنها أن ( ثم ) بمعنى الواو{[1843]} ليست للترتيب - انتهى . والتصوير شق{[1844]} السمع والبصر والأصابع - قاله يمان ، والتسوية تعديل{[1845]} الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح ، ويمكن أن يكون { خلقناكم } وما بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديراً قريباً من الإخراج من العدم ؛ وبذلك يتضح قوله في التوراة : فخلق آدم بصورته ذكراً وأنثى ، ثم قال بعد ذلك : لأن آدم لم يكن خلق بعد ، ثم حكى خلقه وخلق زوجه منه ؛ فهذا خلق بمعنى الإيجاد ، وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة لقبول الغايات - والله أعلم . ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان بعد الإنباء بالأسماء ولم يذكر دليلاً يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه أولى{[1846]} من جهة المعنى ، لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل{[1847]} يكون إيماناً بالغيب على قاعدة التكاليف ، وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كُشِف الغطاء وصار وجه الفضل من باب عين اليقين{[1848]} ؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه وهو جعل السجود بعد الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعماً فبين أولاً نعمته على كل نفس في خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها . ثم ذكر الكل بنعمة تشملهم وهي محاجّته{[1849]} لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما آتاه من العلم ، فلما فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه{[1850]} بنعمة السجود له ، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح{[1851]} سبيل .