جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله:"وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ" قال: حقّ عليهم... عن قَتادة، قوله: "وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهُمْ "يقول: إذا وجب القول عليهم... عن مجاهد "وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ" قال: حقّ العذاب.
عن قَتادة "وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ"، والقول: الغضب...
وقال جماعة من أهل العلم: خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا ينهون عن منكر ...
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: "تُكَلّمُهُمْ" فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: "تُكلّمُهُمْ" بضم التاء وتشديد اللام، بمعنى: تخبرهم وتحدثهم. وقرأه أبو زرعة بن عمرو: «تَكْلِمُهُمْ» بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى: تسِمهم.
والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار...تحدثهم تقول لهم: "أَنّ النّاس كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ".
وقوله: "أنّ النّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ" اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام: «إنّ النّاسَ» بكسر الألف من «إن» على وجه الابتداء بالخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهي وإن كسرت في قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل البصرة: "أنّ النّاسَ كانُوا..." بفتح "أن" بمعنى: تكلمهم بأن الناس، فيكون حينئذٍ نصب بوقوع الكلام عليها.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضتان في قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: {وإذا وقع القول عليهم} أي إذا وقعت الحجة عليهم، ولزمت، فكذبوها {أخرجنا لهم دابة من الأرض}. وقال بعضهم: إذا وقعت السخطة والغضب عليهم أخرجنا لهم دابة...
فيكون التأويل أحد وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من وقوع العذاب ووجوب العقوبة والسخطة عليهم كقوله: {أولئك الذين حق عليهم القول} [الأحقاف: 18] أي العذاب وجب عليهم. والثاني: أي وإذا أتى وقت خروج الدابة التي وعدنا لهم أنها تخرج أخرجناها لهم في ذلك الوقت، أي لا يتقدم خروجها عن الوقت الموعود، ولا يتأخر، كقوله: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34]...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
سمى معنى القول ومؤداه بالقول، وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه: حصوله. والمراد: مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
فمعنى الآية: وإذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ينقطع الخير ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب، كما أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ووقع، عبارة عن الثبوت واللزوم وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط وإن لم تعين الأولى وكذلك الدجال.
وظاهر الأحاديث والروايات أن الشمس آخرها، لأن التوبة تنقطع معها وتعطي الحال أن الإيمان لا يبقى إلا في أفراد، وعليهم تهب الريح التي لا تبقي إيماناً وحينئذ ينفخ في الصور،..
اعلم أن الله تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم، ثم فرع عليهما القول بإمكان الحشر، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزا، ثم فرع عليه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم الآن في مقدمات قيام القيامة، وإنما أخر تعالى الكلام في هذا الباب عن إثبات النبوة، لما أن هذه الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية في جودة الترتيب. واعلم أنه تعالى ذكر تارة ما يكون كالعلامة لقيام القيامة، وتارة الأمور التي تقع عند قيام القيامة، فذكر أولا من علامات القيامة دابة الأرض. فذكر أولا من علامات القيامة دابة الأرض، والناس تكلموا فيها من وجوه.. أحدها: في مقدار جسمها... وثانيها: في كيفية خلقتها... وثالثها: في كيفية خروجها... ورابعها: في موضع خروجها... وخامسها: في عدد خروجها...
واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قُبِل وإلا لم يلتفت إليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتَرْكِهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يأت دليل يدل على كيفيتها ولا من أي: نوع هي وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وقد ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح؛ وليس في هذا الصحيح وصف للدابة. إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة. لذلك نضرب صفحا عن أوصافها...
وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة، وأنه إذا انتهى الأجل الذي تنفع فيه التوبة وحق القول على الباقين فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك وإنما يقضى عليهم بما هم عليه.. عندئذ يخرج الله لهم دابة تكلمهم. والدواب لا تتكلم، أو لا يفهم عنها الناس. ولكنهم اليوم يفهمون، ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة. وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدقون باليوم الموعود. ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السلام. فجاء ذكر (الدابة) وتكليمها الناس متناسقا مع مشاهد السورة وجوها، محققا لتناسق التصوير في القرآن، وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد الأكبر يعني وعيد البعث، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق العادات...
وإخراج الدابة من الأرض ليريهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا البعث. ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر. وإنما خلق الله الكلام لهم على لسان دابة تحقيراً لهم وتنديماً على إعراضهم عن قبول أبلغ كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه، ليكون لهم خزياً في آخر الدهر يعيرون به في المحشر. فيقال: هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على لسان حيوان بهيم. على نحو ما قيل: استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما. وجملة {إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
والضمير في جملة {وإذا وقع القول عليهم} عائد كما هو المتبادر إلى الكفار السامعين للقرآن الذين وصفوا قبل الآية [82] بالموتى والصمّ والعمي. وهذا يقتضي أن يكون الضمير في (تكلمهم) راجع إليهم أيضا. وكثير منهم بل أكثرهم أسلموا والذين ظلوا على كفرهم هلكوا وسيمضي على هلاكهم إلى قيام الساعة دهر لا تحصى أعوامه. ولم تذكر الأحاديث أن الله تعالى سوف يحيى الجاحدين... لتكلمهم الدابة، حيث يبدو من هذا أن الوعيد الموجه إليهم لا يتحقق بالنسبة لأشخاصهم،... وإن الوعيد القرآني قد قصد به بالإضافة إلى ما تضمنه الخبر الإيماني إثارة الرعب في نفوس السامعين وإيذانهم بأنهم إذا [استمروا] على جحودهم فيكونون من صنف الحيوانات التي لا يصح أن يكلمها إلاّ دابة مثلها ما دام لم ينفعهم إنذار الله المبلغ بواسطة رسوله. ولقد وصف الكافرون المصرون على الجحود في آيات أخرى بوصف {الأنعام} و {شر الدواب} كما جاء في آيات سورة الأعراف [189] والأنفال [32 33] والفرقان [44] مما قد يصح الاستئناس به على ذلك، والله أعلم.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
إذا رجعنا إلى الآيات السابقة وهي قوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم} [الآيتان: 80، 81] أدركنا العلاقة الوثيقة بينهما وبين الآية التالية، وهي قوله تعالى هنا: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم} لأنه إذا أصبح أكثر البشر "موتى "القلوب، قساة لا يمارسون أي نوع من أنواع الخير والبر فيما بينهم، "صم" الآذان، لا يسمعون نصيحة ولا موعظة ولا حكمة ولا رأيا سليما، "عمي" البصائر والأبصار، لا يهتدون في حياتهم الخاصة والعامة سبيلا، وإذا نبذوا التعاليم الإلهية وراء ظهورهم بالمرة، يكون ذلك إيذانا بأنه "قد حقت عليهم كلمة العذاب"، لأنه لم يبق في صلاح حالهم أدنى أمل ولا رجاء، وذلك معنى قوله تعالى: {وقع القول عليهم} أي حل الوقت الذي يقع فيه سخط الله وغضبه عليهم، وعذابه لهم، طبقا لما تضمنه" القول الأزلي "السابق من الله، في حق من انتهك حرمات الله، وتحدى أمره وعصاه، فوقوع القول يتضمن وجوب إنزال العقاب بهم، إذ مع الاستمرار في الإصرار والاستكبار لم يبق محل للإنذار ولا للإعذار. ويتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آخر الآية نفسها في نفس السياق، وقد سيق مساق التعليل: {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} وقوله تعالى بعد ذلك: {ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون}. وورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض"...
ومجمل القول ان الدابة التي جعلها الله من علامات الساعة لا يعلم أمرها على وجه التحقيق إلا الحق سبحانه وتعالى المنفرد بعلم الساعة، فلنومن بها على وجه الإجمال، ولنقف عند حدود ما وصفها به كتاب الله، ففي الوقوف عند ما قاله السلامة والنجاة.
قوله تعالى : " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " اختلف في معنى وقع القول وفي الدابة ، فقيل : معنى " وقع القول عليهم " وجب الغضب عليهم ، قاله قتادة . وقال مجاهد : أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون . وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما : إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم . وقال عبدالله بن مسعود : وقع القول يكون بموت العلماء ، وذهاب العلم ، ورفع القرآن . قال عبدالله : أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع ، قالوا : هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال ؟ قال : يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا ، وينسون لا إله إلا الله ، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم ، وذلك حين يقع القول عليهم .
قلت : أسنده أبو بكر البزار قال حدثنا عبدالله بن يوسف الثقفي قال حدثنا عبدالمجيد بن عبدالعزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن أبيه أنه قال : أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه ، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع ، قالوا : يا أبا عبدالرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال ؟ قال : فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية ، وذلك حين يقع القول عليهم . وقيل : القول هو قوله تعالى : " ولكن حق القول مني لأملأن جهنم " [ السجدة : 13 ] فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء ، فإذا صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة ، ذكره القشيري . وقول سادس : قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى : " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " فقال : أوحى الله إلى نوح " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " [ هود : 36 ] وكأنما كان على وجهي غطاء فكشف . قال النحاس : وهذا من حسن الجواب ؛ لأن الناس ممتحنون ومؤخرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين ، ومن قد علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب ؛ فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية ، فإذا زال هذا وجب القول عليهم ، فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى : " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " [ هود : 36 ] .
قلت : وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد . والدليل عليه آخر الآية " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " وقرئ : " أن " : بفتح الهمزة وسيأتي . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا{[12320]} طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ) وقد مضى . واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا ، قد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفى . فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها - والله أعلم - لما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال : ( لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمانا طويلا ثم تحرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية ) يعني مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فارفض الناس منها شتى ومعا ، وتثبت عصابة من المؤمنين ، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه ، فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول يا كافر اقض حقي ) . وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله : ( وهي ترغو ) والرغاء إنما هو للإبل ، وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له جحر فدخل في جوفه ثم أنطبق عليه ، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل . وروي أنها دابة مزغبة شعراء ، ذات قوائم طولها ستون ذراعا ، ويقال إنها الجساسة ، وهو قول عبد الله بن عمر ، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين ، وهي في السحاب وقوائمها في الأرض . وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان . وذكر الماوردي والثعلبي رأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا - الزمخشري : بذراع آدم عليه السلام - ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان ، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض وجهه ، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه ، قاله ابن الزبير رضي الله عنهما . وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة . وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن الدابة فقال : أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية . قال الماوردي : وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به .
قلت : ولهذا - والله أعلم - قال بعض المتأخرين من المفسرين : إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا ، فيهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . قال شيخنا الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له : وإنما كان عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى : " تكلمهم " وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة ، ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث ؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير ، فلا آية خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع العشر ، وترتقع خصوصية وجودها إذا وقع القول ، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة ، وهذا خروج عن عادة الفصحاء ، وعن تعظيم العلماء ، وليس ذلك دأب العقلاء ، فالأولى ما قاله أهل التفسير ، والله أعلم بحقائق الأمور .
قلت : قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه ، واختلف من أي موضع تخرج ، فقال عبد الله بن عمر : تخرج من جبل الصفا بمكة ، يتصدع فتخرج منه . قال عبد الله ابن عمرو نحوه وقال : لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت ، وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى ، وإنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة كأنها كوكب دري وتسم بين عيني الكافر نكتة سوداء كافر ) وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش ، ذكره المهدوي . وعن ابن عباس أنها تخرج من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض لم تخرجا ، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام . وعن حذيفة : تخرج ثلاث خرجات : خرجة في بعض البوادي ثم تكمن ، وخرجة في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء ، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها . الزمخشري : تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد ، فقوم يهربون ، وقوم يقفون نظارة . وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة . وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام . وقيل : من أرض الطائف ، قال أبو قبيل : ضرب عبدالله بن عمرو أرض الطائف برجله وقال : من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس وقيل : من بعض أودية تهامة ، قاله ابن عباس وقيل : من صخرة من شعب أجياد ، قاله عبدالله بن عمرو . وقيل : من بحر سدوم ، قاله وهب بن منبه . ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه . وذكر البغوي أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز قال : حدثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر - وسئل عنه يحيى بن معين فقال ثقة - عن عطية العوفي عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها .
قلت : فهذه أقوال الصحابة والتابعي في خروج الدابة وصفتها ، وهي ترد قول من قال من المفسرين : إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ، وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ) ذكره الماوردي . " تكلمهم " بضم التاء وشد اللام المكسورة - من الكلام - قراءة العامة ، يدل عليه قراءة أُبي " تنبئهم " . وقال السدي : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام . وقيل : تكلمهم بما يسوءهم . وقيل : تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه عن قرب وبعد " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " وتقول : ألا لعنة الله على الظالمين . وقرأ أبو زرعة وابن عباس والحسن وأبو رجاء : " تَكْلِمُهم " بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال عكرمة : أي تسمهم . وقال أبو الجوزاء : سألت ابن عباس عن هذه الآية " تكلمهم " أو " تكلمهم " ؟ فقال : هي والله تكلمهم وتكلمهم ، تُكَلِّم المؤمن وتَكْلِم الكافر والفاجر أي تجرحه . وقال أبو حاتم : " تكلِّمهم " كما تقول تجرِّحهم ، يذهب إلى أنه تكثير من " تكلمهم " . " أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " أي بخروجي ؛ لأن خروجها من الآيات . وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق ويحيي : " أن " بالفتح . وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة : " إن " بكسر الهمزة . قال النحاس : في المفتوحة قولان وكذا المكسورة ، قال الأخفش : المعنى بأن وكذا قرأ ابن مسعود " بأن " وقال أبو عبيدة : موضعها نصب بوقوع الفعل عليها ، أي تخبرهم أن الناس . وقرأ الكسائي والفراء : " إن الناس " بالكسر على الاستئناف وقال الأخفش : هي بمعنى تقول إن الناس ، يعني الكفار " بآياتنا لا يوقنون " يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانا ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها ، والله أعلم .
قوله تعالى : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ( 82 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 ) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ( 85 ) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
إذا وجب القول على الكافرين بالعذاب عند فساد الناس آخر الزمان ، فأعرضوا عن دين الله ولجّوا في المعاصي والذنوب ، أخرج الله لهم دابة من الأرض ، قيل من مكة { تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } أي تخاطبهم الدابة بالعربية بلسان ذلق{[3464]} ، قائلة لهم : إن الناس كانوا غير موقنين بآيات الله . والمراد بآيات الله قرآنه وما تضمنه من الدلائل والبينات والأخبار والحقائق .
وقد ورد في حقيقة الدابة جملة أخبار منها ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة ، فقال : " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق – أو تحشر- الناس تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا " .
وكذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بادروا بالأعمال ستة ، طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، والدابة ، وخاصة أحدكم ، وأمر العامة " .
وما نبتغي بالإسهاب في وصف الدابة مما لا يرقى في حقيقته إلى اليقين .