البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

{ وإذا وقع القول عليهم } : أي إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله ، كقوله : { حقت كلمة العذاب } فالمعنى : إذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه فيهم من العذاب ، أخرج لهم دابة تنفذ من الأرض .

ووقع : عبارة عن الثبوت واللزوم والقول ، إما على حذف مضاف ، أي مضمون القول ، وإما أنه أطلق القول على المقول ، لما كان المقول مؤدى بالقول ، وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب .

وقال ابن مسعود : { وقع القول عليهم } يكون بموت العلماء ، وذهاب العلم ، ورفع القرآن . انتهى .

وروي أن خروجها حين ينقطع الخبر ، ولا يؤمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر ، ولا يبقى منيب ولا نائب .

وفي الحديث : « أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط » ، ولم يعين الأول ، وكذلك الدجال ؛ وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها ، والظاهر أن الدابة التي تخرج هي واحدة .

وروي أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مثبوت نوعها في الأرض ، وليست واحدة ، فيكون قوله : { دابة } اسم جنس .

واختلفوا في ماهيتها ، وشكلها ، ومحل خروجها ، وعدد خروجها ، ومقدار ما تخرج منها ، وما تفعل بالناس ، وما الذي تخرج به ، اختلافاً مضطرباً معارضاً بعضه بعضاً ، ويكذب بعضه بعضاً ؛ فاطرحنا ذكره ، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح ، وتضييع لزمان نقله .

والظاهر أن قوله : { تكلمهم } ، بالتشديد ، وهي قراءة الجمهور ، من الكلام ؛ ويؤيده قراءة أبيّ : تنبئهم ، وفي بعض القراءات : تحدثهم ، وهي قراءة يحيى بن سلام ؛ وقراءة عبد الله : بأن الناس .

قال السدي : تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوى الإسلام .

وقيل : نخاطبهم ، فتقول للمؤمن : هذا مؤمن ، وللكافر : هذا كافر .

وقيل معنى تكلمهم : تجرحهم من الكلم ، والتشديد للتكثير ؛ ويؤيده قراءة ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وأبي زرعة ، والجحدري ، وأبي حيوة ، وابن أبي عبلة : تكلمهم ، بفتح التاء وسكون الكاف مخفف اللام ، وقراءة من قرأ : تجرحهم مكان تكلمهم .

وسأل أبو الحوراء ابن عباس : تكلم أو تكلم ؟ فقال : كل ذلك تفعل ، تكلم المؤمن وتكلم الكافر . انتهى .

وروي : أنها تسم الكافر في جبهته وتربده ، وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه .

وقرأ الكوفيون ، وزيد بن علي : { أن الناس } ، بفتح الهمزة ، وابن مسعود : بأن وتقدم ؛ وباقي السبعة : إن ، بكسر الهمزة ، فاحتمل الكسر أن يكون من كلام الله ، وهو الظاهر لقوله : { بآياتنا } ، واحتمل أن يكون من كلام الدابة .

وروي هذا عن ابن عباس ، وكسرت إن هذا على القول ، إما على إضمار القول ، أو على إجراء تكلمهم إجراء تقول لهم .

ويكون قوله : { بآياتنا } على حذف مضاف ، أو لاختصاصها بالله ؛ كما تقول بعض خواص الملك : خيلنا وبلادنا ، وعلى قراءة الفتح ، فالتقدير بأن كقراءة عبد الله ، والظاهر أنه متعلق بتكلمهم ، أي تخاطبهم بهذا الكلام .

ويجوز أن تكون الباء المنطوق بها أو المقدرة سببية ، أي تخاطبهم أو تجرحهم بسبب انتفاء إيقانهم بآياتنا .