محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

{ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } اعلم أن في هذا الوعيد وجوها من التأويل :

الأول – أنه دنيوي عنى به نصر الرسول صلوات الله عليه ، عليهم . والمعنى أن أولئك الصم عن سماع الآيات ، العمي عن النظر فيها ، الجاحدين لها ، سيأتيهم أنباء حقيقة ما كانوا يدعون إليه من نصر الداعي وهو الرسول وأتباعه ، وتكثير سوادهم حتى يظفروا بمناوئهم . ويظهروا على عدوهم . وذلك بأن تدب إليهم من المؤمنين دابة عظمى تملأ السهل والربى ، تزلزل أركانهم وتهدم بنيانهم وتقوض خيامهم وتدك أعلامهم . فتكلمهم حينئذ بلسان الحال أو المقال ، بأنهم إنما أخذوا بالعقاب ، وحل بهم شديد العذاب لضلالهم وإضلالهم العباد . وسعيهم في الأرض الفساد . فإن الإيمان دعامة الصلاح والإصلاح وقائد الفلاح والنجاح ، وقد سبقت كلمته لعباده المرسلين إنهم لهم المنصورون ، وإن جنده لهم الغالبون .

وقد صدق الله وعده . وأعز جنده .

والوجه الثاني – أن الدابة حيوان بخلاف ما نعرفه . يختص خروجها بحين القيامة ، قال بعضهم : والمعنى إذا قامت القيامة بعث الله نوعا مخصوصا من دواب هذه الأرض ، كما يبعث غيره من أنواع الدواب الأخرى . وينطقه فيوبخ الإنسان على كفره ، كما ينطق أعضاءه في ذلك اليوم أيضا . قال : فليس المراد من قوله { دابة } الفرد ، بل النوع . كما في قولك ( أرسل الله عليهم دودة أتلفت زرعهم ) أي ديدانا كثيرة ، من نوع واحد مخصوص . 1ه .

وقد روي فيها أحاديث وآثار كثيرة ، لم يصحح البخاري منها شيئا ، لاضطراب متونها وضعف رجالها . وأمثل مأثورها ما أخرجه مسلم {[5978]} عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى . وأيهما ما كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على إثرها قريبا ) .

ومعلوم أن أمور الآخرة من عالم الغيب . ولا يؤخذ فيها إلا بما كان قطعي الثبوت .

الوجه الثالث – نقله الراغب في ( مفرداته ) قال : وقيل عنى بالدابة الأشرار الذين هم في الجهل بمنزلة الدواب . فتكون الدابة جمعا ، اسما لكل ما يدب . نحو ( خائنة ) جمع خائن . انتهى .

لعل الآية كقوله تعالى {[5979]} : { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } فإن يأجوج ومأجوج كالدابة ، لما يغطي بدبيبه وجه الأرض – فهو مثل في الكثرة . والله أعلم .


[5978]:أخرجه مسلم في: 52 – كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم 118 (طبعتنا).
[5979]:(21 الأنبياء 96 و 97).