جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قد مكر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فسكنتم من بعدهم في مساكنهم، مَكْرَهم... كان مكرهم شركهم بالله وافتراءهم عليه... عن الضحاك: «وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ» قال: هو كقوله:"وَقالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئا إدّا تَكاد السّمَوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الأرْضُ وتَخِرّ الجبالُ هَدّا"...
عن ابن عباس، قوله: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكرهُم وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبالُ "يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال...
فالأولى من القول بالصواب في تأويل الآية... في قوله: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبالُ": وقد أشرك الذين ظلموا أنفسهم بربهم وافتروا عليه فريتهم عليه، وعند الله علم شركهم به وافترائهم عليه، وهو معاقبهم على ذلك عقوبتهم التي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم على الله لتزول منه الجبال، بل ما ضرّوا بذلك إلاّ أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلاّ عليهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وقد مكروا مكرهم} مكروا: احتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم كقوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا...} (الأنفال: 30) وكيدهم الذي ذكر في غير آية من القرآن برسل الله حتى قال الرسل: {فكيدوني جميعا} (هود: 55). ومكروا أيضا بدين الله الذي أتت به الرسل؛ مكرا، واحتالوا على إطفاء ذلك النور، فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة كقوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله} (التوبة: 32). كان مكرهم وحيلهم يرجع في أحد التأويلين إلى نفس الرسل حين هموا وقصدوا إهلاكهم، وفي الثاني: يرجع إلى إطفاء الدين الذي أتى به الرسل والنور الذي دعوا إليه.
{وعند الله مكرهم} أي عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء، فيجزيهم بذلك في الآخرة. أو {وعند الله مكرهم} أي عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا، وهو النعيم الذي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم بما قدروا على المكر والاحتيال عند الله، والله أعلم...
ثم اختلف في قوله: {وإن كان} وقال الحسن وغيره. {وإن} بمعنى ما، أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، [وقال: إن] بمعنى ما كثير في القرآن... فمن حمله على: ما فقد استهان بمكرهم، واستخف به، فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله، بل رسالة الرسل ودين الله أثبت من الجبال لأن دين الله ورسله معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين. ومن قال:"وإن كان": قد كان، حمله على استعظام مكرهم، وعلى ذلك من قرأ "كاد "بالدال على استعظام مكرهم كقوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} (مريم: 90 و 91) من عظيم ما قالوا كادت السماوات تنشق. فعلى ذلك مكرهم جميعا في الوجهين: أن يستهان مرة، ويستعظم أخرى إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم في إزالة ذلك النور وإطفائه ضعيف، والله أعلم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.
{وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ}، لا يخلو إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى: {وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ} الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال، معداً لذلك...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
يحتمل قوله تعالى: {وقد مكروا مكرهم} أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام، والضمير لمعاصريه، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة والضمير للذين سكن في منازلهم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{و} الحال أنه بان لكم أنهم حين فعلنا بهم ما فعلنا {قد مكروا مكرهم} أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق؛ والمكر: الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة {و} الحال أنه {عند الله} أي المحيط علماً وقدرة {مكرهم} هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق، وعلى إبطاله قادر وإن جل {وإن كان مكرهم} من القوة والضخامة {لتزول} أي لأجل أن تزول {منه الجبال}...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
الحالُ أنهم قد مكروا في إبطال الحقِّ وتقديرِ الباطل مكرَهم العظيمَ الذي استفرغوا في عمله المجهودَ وجاوزوا فيه كل حد معهود، بحيث لا يقدِر عليه غيرُهم، فالمرادُ بيانُ تناهيهم في استحقاق ما فُعل بهم أو قد مكروا مكرَهم المذكورَ في ترتيب مبادئ البقاءِ ومدافعةِ أسبابِ الزوالِ، فالمقصودُ إظهارُ عجزهم واضمحلالُ قدرتِهم وحقارتُها عند قدرة الله تعالى.. وتسميتُه مكراً لكونه بمقابلة مكرِهم وجوداً وذِكراً أو لكونه في صورة المكرِ في الإتيان من حيث لا يشعرون، وعلى التقديرين فالمرادُ به ما أفاده قوله عز وجل: {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} لا أنه وعيدٌ مستأنفٌ، والجملةُ حالٌ من الضمير في مكروا أي مكروا مكرَهم وعند الله جزاؤه أو ما هو أعظمُ منه، والمقصودُ بيانُ فسادِ رأيِهم حيث باشروا فعلاً مع تحقق ما يوجب تركَه {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} في العِظَم والشدة {لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} أي وإن كان مكرُهم في غاية المتانةِ والشدةِ...
{وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} مسوقٌ لبيان عدم تفاوتِ الحال في تحقيق الجزاءِ بين كون مكرِهم قوياً أو ضعيفاً...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يلتفت السياق بعد أن يسدل عليهم الستار هناك، إلى واقعهم الحاضر، وشدة مكرهم بالرسول والمؤمنين، وتدبيرهم الشر في كل نواحي الحياة. فيلقي في الروع أنهم مأخوذون إلى ذلك المصير، مهما يكن مكرهم من العنف والتدبير: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم.. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال).. إن الله محيط بهم وبمكرهم، وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال. فإن مكرهم هذا ليس مجهولا وليس خافيا وليس بعيدا عن متناول القدرة. بل إنه لحاضر (عند الله) يفعل به كيفما يشاء...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
يجوز أن يكون عطفَ خبر على خبر، ويجوز أن يكون حالاً من {الناس} في قوله: {وأنذر الناس}، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم...
والعندية إما عندية عِلم، أي وفي علم الله مكرهم، فهو تعري بالوعيد والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم، وإما عندية تكوين ما سُمي بمكر الله وتقديره في إرادة الله فيكون وعيداً بالجزاء على مكرهم...
ولام {لتزول} لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال...
قوله تعالى : " وقد مكروا مكرهم " أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة ، عن ابن عباس وغيره . " وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " " إن " بمعنى " ما " أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه ، " وإن " بمعنى " ما " في القرآن في مواضع خمسة : أحدها هذا . الثاني : " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك{[9567]} " [ يونس : 94 ] . الثالث : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا{[9568]} " [ الأنبياء : 17 ] أي ما كنا . الرابع : " قل إن كان للرحمن ولد " {[9569]} [ الزخرف : 81 ] . الخامس : " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه{[9570]} " [ الأحقاف : 26 ] . وقرأ الجماعة " وإن كان " بالنون . وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي " وإن كاد " بالدال . والعامة على كسر اللام في " لتزول " على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصيبا . وقرأ بن محيصن وابن جريج والكسائي " لتزول " بفتح اللام الأول على أنها لام الابتداء ورفع الثانية " وإن " مخففة من الثقيلة ، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم ، أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه ، قال الطبري : الاختيار القراءة الأولى ؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة ، قال أبو بكر الأنباري : ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن دانيل{[9571]} قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن جبارا من الجبابرة قال : لا أنتهي حتى أعلم من في السماوات ، فعمد إلى فراخ نُسُور ، فأمر أن تطعم اللحم ، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت{[9572]} ، أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين ، وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته ، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد ، وتشد إلى قوائم التابوت ، ثم جلس هو وصاحب له من التابوت وأثار النسور ، فلما رأت اللحم طلبته ، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : أرى الجبال كأنها ذباب ، فقال : أغلق الباب ، ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا ، فقال : نَكِّسِ العصا فنكسها ، فانقضت النسور . فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هَدَّةً كادت الجبال تزول عن مراتبها{[9573]} منها ، قال : فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ " وإن كان مكرهم لتزول " بفتح اللام الأولى من " لتزول " وضم الثانية . وقد ذكر الثعلبي هذا الخبر بمعناه ، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، وقال عكرمة : كان معه في التابوت غلام أمرد ، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخا بالدماء وقال : كُفيتُ نفسكَ{[9574]} إلهَ السماء . قال عكرمة : تلطخ بدم سمكة من السماء ، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلق . وقيل : طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم ، فهبطت النسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت ، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء ، وأن الساعة قد قامت ، فذلك قوله : " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " . قال القشيري : وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال . وذكر الماوردي عن ابن عباس : أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة ، وجعل طول خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعا ، وصعد منه مع النسور ، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا ، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه . فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصرح عليهم فهلكوا جميعا ، فهذا معنى " وقد مكروا مكرهم " وفي الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان : أحدهما : جبال الأرض . الثاني : الإسلام والقرآن ؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال . وقال القشيري : " وعند الله مكرهم " أي هو عالم بذلك فيجازيهم أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف . " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " بكسر اللام ، أي ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى ، فالجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : " وإن كان مكرهم " في تقديرهم " لتزول منه الجبال " وتؤثر في إبطال الإسلام . وقرئ " لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى وضم الثانية ، أي كان مكرا عظيما تزول منه الجبال ، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : " ومكروا مكرا كبارا{[9575]} " [ نوح : 22 ] والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون .