تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال: {وإذ} يعني وقد {قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} وحده، فاستثنى، لم يسجد {أبى واستكبر}، يعني وتكبر عن السجود لآدم... قال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (الأعراف: 12)، {وكان} إبليس {من الكافرين} الذين أوجب الله عز وجل لهم الشقاء في علمه، فمن ثم لم يسجد.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
أما قوله: "وإذْ قُلْنَا "فمعطوف على قوله: "وَإذْ قَالَ رَبّكَ للْمَلاَئِكَةِ "كأنه قال جل ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل معدّدا عليهم نعمه، ومذكرهم آلاءه على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم، فخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أُمِرَ بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه: "إلاّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ" قالَ مَا مَنَعَكَ أنْ لاَ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ"، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمره من الملائكة بالسجود لاَدم، ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لاَدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره ونَفَى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه هل هو من الملائكة أم هو من غيرهم؟
عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة، يقال لهم «الجنّ»، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار، وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم، إذ كان جائزا أن يكون خلق صنفا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته...
وقال آخرون:...عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. [و] عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: "إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ" إلجاءٌ إلى نسبه، فقال الله: "أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي" الآية... وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
القول في معنى "إبليس": وإبليس من الإبلاس: وهو الإياس من الخير والندم والحزن...
عن ابن عباس، قال: إبليس أبلسه الله من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته...
وكما قال الله جل ثناؤه: "فإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ" يعني به أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنا...
"أبى" يعني جل ثناؤه بذلك إبليس أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له. "واستكبر" يعني بذلك أنه تعظم وتكبر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا وإن كان من الله جل ثناؤه خبرا عن إبليس، فإنه تقريع لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحقّ.
وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله والتذلل لطاعته والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم اليهودُ الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبارهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته عارفين وبأنه لله رسول عالمين، ثم استكبروا مع علمهم بذلك عن الإقرار بنبوّته والإذعان لطاعته، بغيا منهم له وحسدا، فقرّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لاَدم حسدا له وبغيا نظير فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته، إذ جاءهم بالحقّ من عند ربهم حسدا وبغيا. ثم وصف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضربه لهم مثلاً في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه: "وكان" يعني إبليس "من الكافرين": من الجاحدين نعم الله عليه وأياديه عنده بخلافه عليه فيما أمره به من السجود لاَدم، كما كفرت اليهود نعم ربها التي آتاها وآباءها قبل: من إطعام الله أسلافهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصا ما خصّ الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ومشاهدتهم حجة الله عليهم فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدا وبغيا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى الكافرين، فجعله من عدادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة، كما جعل أهل النفاق بعضهم من بعض لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: "المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ" يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال، فكذلك قوله في إبليس: "كانَ مِنَ الكَافِرِينَ" كان منهم في الكفر بالله ومخالفته أمره وإن كان مخالفا جنسه أجناسهم ونسبه نسبهم.
ومعنى قوله: "وكانَ مِنَ الكَافِرينَ" أنه كان حين أبى عن السجود من الكافرين حينئذ...
عن أبي العالية أنه كان يقول في تأويل قوله: "وكانَ مِنَ الكافِرِينَ" في هذا الموضع وكان من العاصين...
[و] عن قتادة قوله: "وَإذْ قُلْنَا للْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ" فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
قال ابن حزم: لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن سجود الملائكة لله تعالى سجود عبادة، ولآدم سجود تحية وإكرام...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقال جمهور المتأولين: معنى {وكان من الكافرين} أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة.
اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولا ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجودا للملائكة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله تعالى من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمنا...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
بعد ما عرف الله الملائكة بمكانة آدم ووجه جعله خليفة في الأرض أمرهم بالخضوع له وعبر عن ذلك بالسجود، فقال {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وهو سجود لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان ووضع الجبهة على التراب، وكان عند بعض القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام. والسجود لله تعالى قسمان، سجود العقلاء المكلفين له تعبدا على الوجه المشروع – وسجود المخلوقات كلها لمقتضى إرادته فيها. قال تعالى {13: 15 ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} الآية وقال {والنجم والشجر يسجدان} وفي معناهما آيات. {فسجدوا إلا إبليس} أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس وهو فرد من أفراد الملائكة، كما يفهم من الآية وأمثالها في القصة إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن {17: 50 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلا جوهريا يميز أحدهما عن الآخر وإنما هو اختلاف أصناف، عند ما تختلف أوصاف، كما ترشد إليه الآيات. فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة، وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله تعالى {37: 158 وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} وعلى الشياطين في آخر سورة الناس [وعلى كل حال فجميع هؤلاء المسميات بهذه الأسماء من علام الغيب لا نعلم حقائقها ولا نبحث عنها ولا نقول بنسبة شيء إليها ما لم يرد لنا فيه نص قطعي عن المعصوم صلى الله عليه وسلم] وصف الله تعالى إبليس بأنه {أبى} السجود والانقياد {واستكبر} فلم يمتثل أمرا الحق ترفعا عنه. وزعما بأنه خير من الخليفة عنصرا، وأزكى جوهرا، كما حكى الله تعالى عنه في غير هذه السورة {7: 11 قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} والاستكبار بمعنى التكبر وهو الظهور بصفة الكبرياء التي من آثارها الترفع عن الحق، كأن السين والتاء للإشعار بأن الكبر ليس من طبيعة إبليس ولكنه مستعد له، ثم قال تعالى بعد وصفه بالإباء والاستكبار {وكان من الكافرين} قال بعض المفسرين كان من حق الترتيب أن يقال: كان من الكافرين واستكبر وأبى لأن الكفر عنده سبب الاستكبار والاستكبار سبب الإباء، ومثل هذا المفسر يعلل مخالفة الترتيب الطبيعي في النظام برعاية الفاصلة (قال الأستاذ) ولكن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر، فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لأنه المقصود بالذات وهو الإباء ثم يذكر سببه وعلته وهو الاستكبار ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.
(أقول) وقال بعض المفسرين: إنَّ "كان "هنا بمعنى صار وخطأه ابن فورك وقال إن الأصول ترده، ووجهه عند قائله: وصار بهذا الإباء والاستكبار من جملة الكافرين، لما علم من أنه لم يكن قبل هذا العصيان المتضمن للاعتراض على الرب سبحانه من الكافرين، وقد جعل بعضهم مناط كفره هذا الاعتراض على ربه عز وجل لأن المعصية وحدها لا تقتضي الكفر كما تدل عليه النصوص، وفيه أن ذلك في معصية المسلم، وهو المذعن لأمر الله ونهيه إذا غلبه غضب أو شهوة فعصى، وهو لا يلبث أن يندم ويتوب. وعصيان إبليس رفض للإذعان والاستسلام ابتداء وهو كفر بغير نزاع، ككفر الذين صدقوا الرسل بقلوبهم ولم يتبعوهم عنادا واستكبارا {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} والجمهور: أن المعنى: وكان في علم الله من الكافرين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وفي هذه الآيات من العبر والآيات:
أن الله تعرف لملائكته، بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم، إكراما له، لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير، إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة، فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن، وبيان فضل آدم، وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له، إلى غير ذلك من العبر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا)..
إنه التكريم في أعلى صوره، لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة. لقد وهب سر المعرفة، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق.. إن ازدواج طبيعته، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة.. إن هذا كله بعض أسرار تكريمه.
ولقد سجد الملائكة امتثالا للأمر العلوي الجليل.
(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)..
وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة: عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله. والعزة بالإثم. والاستغلاق عن الفهم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إظهارُ مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء منها عَنْ فائدة من وجوده في هذا العالم؛ وإظهارُ فضيلة المعرفة،
وبيانُ أن العالم حقيق بتعظيم مَن حوله إياه وإظهارُ ما للنفوس الشريرة الشيطانية من الخبث والفساد،
وبيانُ أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية،
وأن الفساد والحسد والكِبر من مذام ذوي العقول [السليمة]...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
كفر إبليس كان يعود إلى نفس السبب أيضاً، فقد اعتقد بعدم صواب الأمر الإِلهي، وبذلك لم يعصِ فحسب، بل انحرف عقائدياً. وهكذا ذهبت أدراج الرياح كل عباداته وطاعاته نتيجة كبره وغروره. وهكذا تكون دوماً نتيجة الكبر والغرور.
الأولى : قوله تعالى : " وإذ قلنا " أي واذكر . وأما قول أبي عبيدة : إن " إذ " زائدة فليس بجائز ؛ لأن إذ ظرف . وقد تقدم{[492]} وقال : " قلنا " ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره . والملائكة جمع ملك ، وقد تقدم{[493]} وتقدم القول أيضا في آدم واشتقاقه{[494]} فلا معنى لإعادته ؛ وروي عن ابن جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في " اسجدوا " . ونظيره " الحمد لله " .
الثانية : قوله تعالى : " اسجدوا " السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع ، قال الشاعر :
بجمعٍ تَضِلُّ البلقُ في حَجراته *** ترى الأُكم فيها سجّدا للحوافر
الأكم : الجبال الصغار . جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها . وعين ساجدة ، أي فاترة عن النظر ، وغايته وضع الوجه بالأرض . قال ابن فارس : سجد إذا تطامن ، وكل ما سجد فقد ذل . والإسجاد : إدامة النظر . قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه ، قال{[495]} :
فُضُول أزمتها أسجدت *** سجود النصارى لأحبارها
قال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد :
يعني البعير إذا طأطأ رأسه . ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها ، قال :
الثالثة : استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : " اسجدوا لآدم " . قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم . والجواب أن معنى " اسجدوا لآدم " اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم . وهو كقوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " [ الإسراء : 78 ] أي عند دلوك الشمس وكقوله : " ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " [ ص : 72 ] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين . وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة . فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له ؟ قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم . وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما . ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " لما قال لهم : " إني جاعل في الأرض خليفة " [ البقرة : 30 ] وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا ، فقال لهم : " إني خالق بشرا من طين " [ ص : 71 ] وجاعله خليفة ، فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن . فإن قيل : فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون{[496]} " [ الحجر : 72 ] . وأمنه من العذاب بقوله : " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر{[497]} " [ الفتح : 2 ] . وقال للملائكة : " و من يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم{[498]} " [ الأنبياء : 29 ] . قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه ، فلم يقل : لعمري . وأقسم بالسماء والأرض ، ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع . وأقسم بالتين والزيتون . وأما قول سبحانه : " ومن يقل منهم إني إله من دونه " [ الأنبياء : 29 ] فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " [ الزمر : 65 ] فليس فيه إذا دلالة ، والله أعلم .
الرابعة : واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة ، فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض ، كالسجود المعتاد في الصلاة ، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع ، وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله ، وطاعة لله تعالى ، وكان آدم كالقبلة لنا . ومعنى " لآدم " : إلى آدم ، كما يقال صلى للقبلة ، أي إلى القبلة . وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة ، فهو من التذلل والانقياد ، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل . " فسجدوا " أي امتثلوا ما أمروا به .
واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى ، أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام ، لقوله تعالى : " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا{[499]} " [ يوسف : 100 ] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين ؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد ، فقال لهم : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ) . روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ) فقال : يا رسول الله ، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم ، فأردت أن أفعل ذلك بك ، قال : ( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ) . لفظ البستي . ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب{[500]} عند الولادة . وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة .
قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم ، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام{[501]} لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ، ضل سعيهم وخاب عملهم .
الخامسة : قوله : " إلا إبليس " نصب على الاستثناء المتصل ؛ لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم ، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ، ورجحه الطبري ، وهو ظاهر الآية . قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل ، وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد . روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا . وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة . وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم ، وخلق سائر{[502]} الملائكة من نور . وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا ، وروى نحوه عن ابن عباس وقال : اسمه الحارث . وقال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب ، وحكاه الطبري عن ابن مسعود . والاستثناء على هذا منقطع ، مثل قوله تعالى : " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " [ النساء : 175 ] وقوله : " إلا ما ذكيتم " [ المائدة : 3 ] في أحد القولين ، وقال الشاعر :
ليس عليك عطش ولا جوع *** إلا الرقادُ والرقادُ ممنوعُ
واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " [ التحريم : 6 ] ، وقوله تعالى : " إلا إبليس كان من الجن " [ الكهف : 50 ] والجن غير الملائكة . أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه ، لا يسأل عما يفعل ، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة . وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي ، فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة ، حكاه المهدوي وغيره . وحكى الثعلبي عن ابن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة من نور ، وكان اسمه بالسريانية عزازيل ، وبالعربية الحارث ، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ، فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة ، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما . فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه ، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه ، وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية ، وخطيئة إبليس كبرا . والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها ، وفي التنزيل : " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا{[503]} " [ الصافات : 158 ] ، وقال الشاعر{[504]} في ذكر سليمان عليه السلام :
وسخَّر من جن الملائك تسعة *** قياما لديه يعملون بلا أجر
وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها ، والله أعلم . وإبليس وزنه إفعيل ، مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى . ولم ينصرف ؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية . قاله أبو عبيدة وغيره . وقيل : هو أعجمي لا اشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف ، قاله الزجاج وغيره .
السادسة : قوله تعالى : " أبى " معناه امتنع من فعل ما أمر به ، ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة [ فسجد ]{[505]} اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله - وفي راوية : يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ) . خرجه مسلم . يقال : أبي يأبى إباء ، وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق ، وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق . قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق . قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روى إسماعيل نحوا غير هذا الحرف .
السابعة : قوله تعالى : " واستكبر " الاستكبار : الاستعظام ، فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق آدم ، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته . وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : ( لا يدخل الجنة من [ كان ]{[506]} في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ) . في رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) . أخرجه مسلم . ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله . وغمط الناس : الاحتقار لهم والازدراء بهم . ويروى : " وغمص " بالصاد المهملة ، والمعنى واحد ، يقال : غمصه يغمصه غمصا واغتمصه ، أي استصغره ولم يره شيئا . وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها . وغمصت عليه قولا قاله ، أي عبته عليه . وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين{[507]} " [ ص : 76 ] . " أأسجد لمن خلقت طينا " [ الإسراء : 61 ] . " لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون " [ الحجر : 26 ] فكفره الله بذلك . فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه ، وهذا ما لا خلاف فيه . وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر ، حسد إبليس آدم ، وشح آدم في أكله من الشجرة . وقال قتادة : حسد إبليس آدم ، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني . وكان بدء الذنوب الكبر ، ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ، ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه .
الثامنة : قوله تعالى : " وكان من الكافرين " قيل : كان هنا بمعنى صار ، ومنه قوله تعالى : " فكان من المغرقين " . وقال الشاعر{[508]} :
بتَيْهَاءَ قفر والمطيُّ كأنها *** قَطَا الحَزْنِ قد كانت فراخا بيوضُهَا
أي صارت . وقال ابن فورك . " كان " هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول . وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر ؛ لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة .
قلت : وهذا صحيح ، لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة ، وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج ، كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم ، وكما أعطي بلعام{[509]} الاسم الأعظم على طرف لسانه ، فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن . قال ابن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده ، فلذلك قال : أنا خير منه ، ولذلك قال الله عز وجل : " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين{[510]} " [ ص : 75 ] أي استكبرت ولا كبر لك ، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال : " وكان من الكافرين " . [ ص : 74 ] . وكان أصل خلقته من نار العزة ، ولذلك حلف بالعزة فقال : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " [ ص : 82 ] فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام . وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة .
التاسعة : قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي ، إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر . ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا ، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى ، لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان . ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ، ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان ، علم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله . قالوا : ولا نمنع أن يطلع بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه ، قال الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره . وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم ، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم .
العاشرة : واختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا ؟ فقيل : لا ، وإن إبليس أول من كفر . وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض . واختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره . فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره . ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه . قال ابن عطية : والكفر عنادا{[511]} مع بقاء العلم مستبعد ، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء .