{ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 6 ) }
ومن الناس مَن يشتري لَهْو الحديث - وهو كل ما يُلهي عن طاعة الله ويصد عن مرضاته- ليضلَّ الناس عن طريق الهدى إلى طريق الهوى ، ويتخذ آيات الله سخرية ، أولئك لهم عذاب يهينهم ويخزيهم .
ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس ، كانا على النقيض من سابقيهم ، فقال : { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي . . . فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .
قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا فى النضر بن الحارث . اشترى قينة - أى مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه .
و { لَهْوَ الحديث } : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - :
وقد فسر كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا .
و { مِنَ } فى قوله { وَمِنَ الناس } للتبعيض ، أى : ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة .
قال القرطبى ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على كارهة الغناء والمنع منه . ولا يختلف فى تحريم الذى يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون . . فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان فى حفر الخندق . .
وقوله : { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } تعليل لاشتراء لهو الحديث . والمراد بسبيل الله - تعالى - : دينه وطريقه الذى اختاره لعباده .
وقد قرأ الجمهور : { ليُضل } بضم الياء - أى : يشرتى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكى يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليَضل } - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ضلاله .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضمر بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإِسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح ؟ .
قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذى كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده فإن المخذوف كان شتديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه . والثانى : أن بوضع ليضَل موضع ليضُل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف على المردوف . .
وقوله : { أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية .
أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عند دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان .
قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .
ثمة قولان في سبب نزول هذه الآية . أحدهما : أنها نزلت في النضر بن الحارث وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس ، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ، ويحدث بها قريشا ويقول لهم : إن محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ، ويتركون استماع القرآن . فنزلت فيه هذه الآية .
القول الثاني : إنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشُغل الناس بلهوها عن استماع النبي صلى الله عليه وسلم{[3633]} .
أما المراد بلهو الحديث وشرائه فهو موضع تفصيل نعرض له في هذا البيان فنقول : لهو الحديث يشمل بعمومه كل ما يلهي عن طاعة الله وفعل الخيرات والقربات . وذلك كالغناء والملاهي والأحاديث المفتراة والمصطنعة التي تنشغل بها القلوب والأذهان عن دين الله وطاعته .
وقيل : المراد بلهو الحديث ، الكفر والشرك . وهو قول الحسن البصري ، وروي عنه قول : إنه الغناء والمعازف .
وقيل : المراد من يشتري ذا لهو ، أو ذات لهو . فيكون التقدير : من يشتري أهل لهو الحديث وهم المغنّون والمغنيات والقينات . كقوله تعالى : { واسأل القرية } يعني واسأل أهل القرية .
وقيل : المراد به الغناء . وقد قال بذلك أكثر السلف من الصحابة والتابعين وقد حلف على ذلك عبد الله بن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء . وكان يقول : الغناء ينبت النفاق في القلب . وعن ابن عمر أنه الغناء . وقال الإمام الطبري : أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه . ويؤيد هذا القول ما ورد في ذلك من أخبار . منها ما رواه الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ، ورنة شيطان عند نغمة ومرح ، ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب " .
وروى الترمذي أيضا من حديث علي ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء " فذكر منها : " إذا اتخذت القينات والمعازف " وفيما رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من جلس إلى قينة يسمع منها صُبَّ في أذنه الآنُك{[3634]} يوم القيامة " .
على أن الغناء المنهي عنه هو المعتاد عند المشتهرين به ، والذي يحرك النفوس فيستميلها للذة والطرب ، ويجنح بها للهوى والغزل والمجون بعد سكون الشهوة ورقادها . إلى غير ذلك من الشعر الذي يُشَبَّب فيه بالنساء ووصف محاسنهن والافتتان بهن ووصف الخمور والمحرمات ، فإن ذلك حرام قطعا . أما ما كان من غناء يخلو من ذلك فيجوز منه القليل في بعض الأحوال والظروف كالأعراس والأعياد حيث السرور والبهجة تغمر قلوب الناس في مثل هذه المناسبات . وكذلك عند التنشيط على الأعمال الشاقة مما يروح النفس ترويحا ويكفكف عنها غبار الكد والنصَب .
وذلك كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشه ، وهو أسود كان يسوق الإبل بنساء النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وكان حسن الحداء ، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه . وفي ذلك روى الديلمي عن أنس مرفوعا : " روحوا القلوب ساعة فساعة " .
أما ما ابتدعته الصوفية من سماع المغاني وقد اختلطت بالمعازف وآلات الطرب كالشبابات والمزامير والأوتار فذلكم حرام .
أما الضرب على الدف لإظهار النكاح فمباح . وقال القرطبي في هذا الصدد : إن الطبل في النكاح كالدف ، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث .
أما الاشتغال بالغناء على الدوام فهو سفه . تُرد به الشهادة وقد ذهب الإمام مالك إلى أن الغناء حرام . ولما سئل عن ذلك قال : إنما يفعله عندنا الفساق . وذهبت الحنيفية والشافعية ، وكذا الحنبلية في رواية لهم إلى أن الغناء مكروه ، وأن سماعه من الذنوب ، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .
والذي نميل إليه أن الآية تتناول بعمومها سائر الأقوال والأحاديث التي تلهي عن طاعة الله والتي تشغل البال والقلب عن الخشوع والورع والتذكر ، وسماع المواعظ ودروس العلم . سواء في ذلك الغناء أو قص الأساطير الموهومة بقصد الإلهاء عن سماع الإسلام بأفكاره ومعانيه ، وكذلك اللغو من الكلام الذي يلهي الناس عن سماع القرآن ويضلهم عن الحق ليتيهوا في الباطل . وهو قوله : { ليضل عن سبيل الله } المضل يراد به صاحب اللهو على اختلاف وجوهه فهو بتلهيته يضل الناس عن دين الله فيحول بينهم وبين سماع القرآن والاتعاظ بكلماته وإيقاعاته المؤثرة . أو يلهيهم عن الاستفادة من علوم الإسلام ؛ إذ لا يستبقي لهم من الفراغ أو الوقت ما يقرأون فيه أو يسمعون القرآن وروائع الإسلام ، فضلا عن تلهيتهم عن أداء الواجبات والطاعات المفروضة والمندوبة .
وهذا هو دأب الحكام والساسة الذين يقودون المسلمين في عصرهم الراهن ؛ إذ يسوسونهم بغير شريعة الإسلام ؛ يسوسونهم بشرائع الكفر وملل الضلال والباطل مما ابتدعوه من نظم الحضارة المادية الظالمة . أولئك يصطنعون كل أسباب التلهية من مختلف وجوه اللهو الفارغ الذي تُسخّر لنشره وإشاعته كل الوسائل والأسباب وبخاصة وسائل الإعلام المختلفة ؛ وذلك من أجل أن تلتهي الأمة عن الاهتمام بدينها وقيمها ومقوماتها الثقافية والمعنوية والسلوكية ؛ وكيما تغض الطرف عن تعاليم الإسلام ولا تعبأ بسماع القرآن ، فضلا عما يبتغيه الساسة الظالمون من إفساد النفس لدى الأفراد وتشويه العقول والتصورات فتزهد في الإقبال على الإسلام كل الزهد أو تنفر منه نفورا .
قوله : { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } الضمير في { وَيَتَّخِذَهَا } عائد إلى { سبيل الله } والمراد بسبيل الله منهج الحق وصراط الله المستقيم ودينه الحنيف القويم . والمعنى : أن المضل عن سبيل الله بلهوه وضلاله إنما يسخر من دين الله وشرعه ، ويهزأ بالإسلام وما فيه من أحكام وقيم وتصورات . وذلك هو دأب الغاوين الذين يغوون الناس بفسقهم وفجورهم ويضلونهم عن دين الله بما ابتدعوه واصطنعوه من فتن الملاهي والمعازف والغناء الفاجر المستهجن .
قوله : { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } هؤلاء المضلون الفسّاق الذين يلهون الناس عن دينهم ويضلونهم عن فعل الطاعات والواجبات بما ابتدعوه من لهو فاسد ماجن –صائرون إلى عذاب الخزي والهوان في النار{[3635]} .