تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} (2)

بغير عمد : العمد جمع عمود وهي السواري .

بعد أن ذَكّر اللهُ تعالى أن أكثر الناس لا يؤمنون ، بدأ هنا باستعراض آياتِ القدرة ، وعجائب الكون الدّالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره ، وما في هذا الكون من أمور تدل على وجوده ووحدانيته ، بعضها سماويّ ، وبعضها أرضي .

إن الله الذي أنزلَ هذا الكتابَ هو الذي رفع ما ترون من سمواتٍ تجري فيها النجوم بغير أعمدٍ ترى ولا يعلمها إلى الله ، ثم مَلَكَ هذا الكونَ باستيلائه على العرش ، وسخّر الشمس والقمر وجعلهما طائعين ، فكلٌّ يسيرُ في مدارٍ له لوقتٍ معين بنظام عجيب . وهو سبحانه يدبرّ كل شيء ، ويبيّن لكم آياتِه الكونيةَ الدالة على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة .

{ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } .

حين ترون هذه الآيات مفصّلة منسقة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} (2)

{ الله الذي رَفَعَ * السموات } أي خلقهن مرتفعات على طريقة سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه سبحانه رفعها بعد إن لم تكن كذلك { بِغَيْرِ عَمَدٍ } أي دعائم ، وهو اسم جمع عند الأكثر والمفرد عماد كإهاب وأهب يقال : عمدت الحائط أعمده عمداً إذا دعمته فاعتمد واستند ، وقيل : المفرد عمود ، وقد جاء أديم وأدم وقصيم وقصم ، وفعيل وفعول يشتركان في كثير من الأحكام ، وقيل : إنه جمع ورجح الأول بما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً .

/ وقرأ أبو حيوة . ويحيى بن وثاب { عَمَدٍ } بضمتين ، وهو جمع عماد كشهاب وشهب أو عمود كرسول ورسل ويجمعان في القلة على أعمدة ، والجمع لجمع السموات لا لأن المنفي عن كل واحدة منها العمد لا العماد ، والجار والمجرور في موضع الحال أي رفعها خالية عن عمد { تَرَوْنَهَا } استئناف لا محل له من الإعراب جىء به للاستشهاد على كون السموات مرفوعة كذلك كأنه قيل : ما الدليل على ذلك ؟ فقيل : رؤيتكم لها بغير عمد فهو كقولك : أنا بلا سيف ولا رمح تراني .

ويحتمل أن يكون الاستئناف نحوياً بدون تقدير سؤال وجواب والأول أولى ، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من السموات أي رفعها مرئية لكم بغير عمد وهي حال مقدرة لأن المخاطبين حين رفعها لم يكونوا مخلوقين ، وأياً ما كان فالضمير المنصوب للسموات .

وجوز كون الجملة صفة للعمد فالضمير لها واستدل لذلك بقراءة أبي { *ترونه } لأن الظاهر أن الضمير عليها للعمد وتذكيره حينئذٍ لائح الوجه لأنه اسم جمع فلوحظ أصله في الإفراد ورجوعه إلى الرفع خلاف الظاهر ، وعلى تقدير الوصفية يحتمل توجه النفي إلى الصفة والموصوف على منوال :

ولا ترى الضب بها ينجحر *** لأنها لو كانت لها عمد كانت مرئية وهذا في المعنى كالاستئناف ، ويحتمل توجهه إلى الصفة فيفيد أن لها عمداً لكنها غير مرئية وروي ذلك عن مجاهد وغيره ، والمراد بها قدرة الله تعالى وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ، فيكون العمد على هذا استعارة . وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك . وزعم بعضهم أن العمد جبل قاف فإنه محيط بالأرض والسماء عليه كالقبة ، وتعقبه الإمام بأنه في غاية السقوط وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يمكن أن يكون مراده في وجه ذلك ، وأنا لا أرى ما قبله يصح عن ابن عباس ، فالحق أن العمد قدرة الله تعالى ، وهذا دليل على وجود الصانع الحكيم تعالى شأنه وذلك لأن ارتفاع السموات على سائر الأجسام المساوية لها في الجرمية كما تقرر في محله واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون لمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته .

ورجح في «الكشف » استئناف الجملة بأن الاستدلال برفع هذه الأجرام دون عمد كاف ، والاستشهاد عليه بكونه مشاهداً محسوساً تأكيد للتحقيق ، ثم لا يخفى أن الضمير المنصوب في { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } إذا كان راجعاً إلى السموات المرفوعة اقتضى ظاهر الآية أن المرئي هو السماء . وقد صرح الفلاسفة بأن المرضي هو كرة البخار وثخنها كما قال صاحب التحفة أحد وخمسون ميلاً وتسع وخمسون دقيقة ، والمجموع سبعة عشر فرسخاً وثلث فرسخ تقريباً ، وذكروا أن سبب رؤيتها زرقاء أنها مستضيئة دائماً بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبوله الضوء كالمظلم بالنسبة إليها فإذا نفذ نور البصر من الأجزاء المستنيرة بالأشعة إلى الأجزاء التي هي كالمظلم رأى الناظر ما فوقه من المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الوكبي لوناً متوسطاً بين الظلام والضياء وهو اللون اللازوردي ، وذلك كما إذا نظرنا من جسم أحمر مشف إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمرة والخضرة . وأجمعوا أن السموات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة لا لون لها لأنها لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب وكل ملون فإنه يحجب عن ذلك . وتعقب ذلك الإمام الرازي بأنا لا نسلم أن كل ملون حاجب فإن الماء والزجاج ملونان لأنهما مرئيان ومع ذلك لا يحجبان . فإن قيل : فيهما حجب عن الإبصار الكامل قلنا : وكيف عرفتم أنكم أدركتكم هذه الكواكب إدراكاً تاماً انتهى ، على أن ما ذكروه لا يتمشى في المحدد إذ ليس وراءه شيء حتى يرى ولا في الفلك الذي يسمونه بفلك الثوابت أيضاً إذ ليس فوقه كوكب مرئي وليس لهم أن يقولوا لوكان كل منهما ملوناً لوجب رؤيته لأنا نقول جاز أن يكون لونه ضعيفاً كلون الزجاج فلا يرى من بعيد ولئن سلمنا وجوب رؤية لونه قلنا : لم لا يجوز أن تكون هذه الزرقة الصافية المرئية لونه وما ذكر أولاً فيها دون إثباته كرة النار وما يقال : إنها أمر يحسن في الشفاف إذا بعد عمقه كما في ماء البحر فإنه يرى أزرق متفاوت الزرقة بتفاوت قعره قرباً وبعداً فالزرقة المذكورة لون يتخيل في الجو الذي بين السماء والأرض لأنه شفاف بعد عمقه لا يجدي نفعاً لأن الزرقة كما تكون لوناً متخيلاً قد تكون أيضاً لوناً حقيقياً قائماً بالأجساد ، وما الدليل على أنها لا تحدث إلا بذلك الطريق التخيلي فجاز أن تكون تلك الزرقة المرئية لوناً حقيقياً لأحد الفلكين كذا قال بعض المحققين ، وأنت تعلم أنه لا مانع عند المسلمين من كون المرئي هو السماء الدنيا المسماة بفلك القمر عند الفلاسفة بل هو الذي تقتضيه الظواهر ، ولا نسلم أن ما يذكرونه من طبقات الهواء مانعاً ، وهذه الزرقة يحتمل أن تكون لوناً حقيقياً لتلك السماء صبغها الله تعالى به حسبما اقتضته حكمته ، وعليه الأثريون كما قال القسطلاني ، ويؤيده ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم :

" ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء " ، وفي رواية «الأرض من ذي لهجة أصدق من أبي ذر » ويحتمل أن يكون لوناً تخيلياً في طبقة من طبقات الهواء الشفاف الذي ملأ الله به ما بين السماء والأرض ويكون لها في نفسها لون حقيقي الله تعالى أعلم بكيفيته ولا بعد في أن يكون أبيض وهو الذي يقتضيه بعض الأخبار لكنا نحن نراها من وراء ذلك الهواء بهذه الكيفية كما نرى الشيء الأبيض من وراء جام أخضر أخضر ، ومن وراء جام أزرق أزرق وهكذا ، وجاء في بعض الآثار أن ذلك من انعكاس لون جبل قاف عليها .

وتعقب بأن جبل قاف لا وجود له ، وبرهن عليه بما يرده كما قال العلامة ابن حجر ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق أخرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح ، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، منها أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً وهكذا حتى عد سبعاً من كل ، وخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء ، وعن مجاهد مثله . ونقل صاحب حل الرموز أن له سبع شعب وأن لكل سماء منها شعبة ، وفي القلب من صحة ذلك ما فيه ، بل أنا أجزم بأن السماء ليست محمولة إلا على كاهل القدرة ، والظاهر أنها محيطة بالأرض من سائر جهاتها كما روي عن الحسن ، وفي الزرقة الاحتمالان . بقي الكلام في رؤية باقي السموات وظاهر الآية يقتضيه وأظنك لا ترى ذلك وظاهر بعض الآيات يساعدك فتحتاج إلى القول بأن الباقي وإن لم يكن مرئياً حقيقة لكنه في حكم المرئي ضرورة أنه إذا لم يكن لهذا عماد لا يتصور أن يكون لما وراءه عماد عليه بوجه من الوجوه ، ويؤل هذا إلى كون المراد ترونها حقيقة أو حكماً بغير عمد ، وجوز أن يكون المراد ترون رفعها أي السموات جميعاً بغير ذلك . وفي «الكشف » ما يشير إليه ؛ وإذا جعل الضمير للعمد فالأمر ظاهر فتدبر ، ومن البعيد الذي لا نراه زعم بعضهم أن { تَرَوْنَهَا } خبر في اللفظ ومعناه الأمر روها وانظروا هل لها من عمد { ثُمَّ استوى } سبحانه استواء يليق بذاته { عَلَى العرش } وهو المحدد بلسان الفلاسفة ، وقد جاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول ، وجعل غير واحد من الخلف الكلام استعارة تمثيلية للحفظ والتدبير ، وبعضهم فسر استوى باستولى ، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه ، وأياً ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش كما قالوا في قوله تعالى :

{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات } [ البقرة : 29 ] لأن إيجاده قبل إيجاد السموات ، ولا حاجة إلى إرادة ذلك مع القول بسبق الإيجاد وحمل { ثُمَّ } على التراخي في الرتبة ، نعم قال بعضهم : إنها للتراخي الرتبي لا لأن الاستواء بمعنى القصد المذكور وهو متقدم بل لأنه صفة قديمة لائقة به تعالى شأنه وهو متقدم على رفع السموات أيضاً وبينهما تراخ في الرتبة { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منها { كُلٌّ } من الشمس والقمر { يَجْرِى } يسير في المنازل والدرجات { لاِجَلٍ مُّسَمًّى } أي وقت معين ، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة والقمر في شهر لا يختلف جري كل منهما كما في قوله تعالى : { والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ يس : 38 ، 39 ] وهو المروى عن ابن عباس ، وقيل : أي كل يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي { إِذَا الشمس كُوّرَتْ * وَإِذَا النجوم انكدرت } [ التكوير : 1 ، 2 ] وهذا مراد مجاهد من تفسير الأجل المسمى بالدنيا ، قيل : والتفسير الحق ما روى عن الحبر ، وأما الثاني : فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير . ثم إن غايتهما متحدة والتعبير بكل يجري صريح في التعدد وما للغاية { إلى } دون اللام ، ورد بأنه إن أراد أن التعبير بذلك صريح في تعدد ذي الغاية فمسلم لكن لا يجد به نفعاً ، وإن أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم ، واللام تجيء بمعنى إلى كما في المغنى وغيره . وأنت تعلم لا يفيد أكثر من صحة التفسير الثاني ، فافهم ، وما أشرنا إليه من المراد من كل هو الظاهر ، وزعم ابن عطية أن ذكر الشمس والقمر قد تضمن ذكر الكواكب فالمراد من كل كل منهما ومما هو في معناهما من الكواكب والحق ما علمت { يُدَبّرُ الأمر } أي أمر العالم العلوي والسفلي ، والمراد أنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في ذلك على أكمل الوجوه وإلا فالتدبير بالمعنى اللغوي لاقتضائه التفكر في دبر الأمور مما لا يصح نسبته إليه تعالى : { يُفَصّلُ الآيات } أي ينزلها ويبينها مفصلة ، والمراد بها آيات الكتب المنزلة أو القرآن على ما هو المناسب لما قبل ، أو المراد بها الدلائل المشار إليها فيما تقدم وبتفصيلها تبيينها ، وقيل إحداثها على ما هو المناسب لما بعد .

والجملتان جوز أن يكونا مستأنفتين وأن يكونا حالين من ضمير { استوى } وسخر من تتمته بناء على أنه جيء به لتقرير معنى الاستواء وتبيينه أو جملة مفسرة له ، وجوز أن يكون { يُدَبّرُ } حالاً من فاعل { سَخَّرَ } و { يُفَصّلُ } حالاً من فاعل { يُدَبّرُ } ، و { الله الذى } الخ على جميع التقادير مبتدأ وخبر ، وجوز أن يكون الاسم الجليل مبتدأ والموصول صفته وجملة { يُدَبّرُ } خبره وجملة { يُفَصّلُ } خبراً بعد خبر ، ورجح كون ذلك مبتدأ وخبراً في «الكشف » بأن قوله تعالى الآتي :

{ وَهُوَ الذي مَدَّ الارض } [ الرعد : 3 ] عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي المقابل تتعين الخبرية فكذلك في المقابل ليتوافقا ، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه كما في الوجه الآخر ، ثم قال : وهو على هذا جملة مقررة لقوله سحبانه : { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق } [ الرعد : 1 ] وعدل عن ضمير الرب إلى الاسم المظهر الجامع لترشيح التقرير كأنه قيل : كيف لا يكون منزل من هذه أفعاله الحق الذي لا أحق منه ، وفي الإتيان بالمبتدأ والخبر معرفتين ما يفيد تحقيق إن هذه الأفعال أفعاله دون مشاركة لا سيما وقد جعلت صلات للموصول ، وهذا أشد مناسبة للمقام من جعله وصفا مفيداً تحقيق كونه تعالى مدبراً مفصلاً مع التعظيم لشأنهما كما في قول الفرزدق :

إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتاً دعائمه أعز وأطول

وتقدم ذكر الآيات ناصر ضعيف لأن الآيات في الموضعين مختلفة الدلالة ولأن المناسب حينئذ تأخره عن قوله تعالى : { وَهُوَ الذي مَدَّ } [ الرعد : 3 ] الخ ، على أن سوق تلك الصفات أعني رفع السموات وما تلاه للغرض المذكور وسوق مقابلاتها لغرض آخر منافر ، وفي الأول روعي لطيفة في تعقيب الأوائل بقوله سبحانه : { يُدَبّرُ ُ }* { يُفَصّلُ } للايقان والثواني بقوله تعالى : { إِنَّ في ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الرعد : 3 ] أي من فضل السوابق لإفادتها اليقين واللواحق ذرائع إلى حصوله لأن الفكر إلته والإشارة إلى تقديم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبة وذلك فائت على الوجه الآخر اه وهو من الحسن بمكان فيما أرى ، ولا تنافى كما قال الشهاب بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي المعلومية والخبرية تقتضي خلافها لأن المعلومية عليهما والمقصود بالإفادة قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } أي لكم تتفكروا وتحققوا كمال قدرته سبحانه فتعلموا أن من قدر على ذلك قدر على الإعادة والجزاء ، وحاصله أنه سبحانه فعل كل ذلك لذلك ، وعلى الوجه الآخر فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل له ثم قال : وهذ مما يرجح الوجه الأول أيضاً كما يرجحه أنه تبيين الآيات وهي الرفع وما تلاه فإنه ذكرها ليستدل بها على قدرته تعالى وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي كونها صفة .

فإن قيل : لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كانت صفة أو خبراً يقال : إذا كان ذلك صلة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا كان خبراً دل على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال فتأمل .

وقرأ النخعي وأبو رزين . وأبان بن تغلب عن قتادة { كذلك نُفَصّلُ } بالنون فيهما ؛ وكذا روى أبو عمرو الداني عن الحسن ووافق في { نُفَصّلُ } بالنون الخفاف . وعبد الوهاب عن أبي عمرو ، وهبيرة عن حفص ، وقال صاحب اللوامح : جاء عن الحسن . والأعمش { نُفَصّلُ } بالنون ، وقال المهدوي : لم يختلف في { يُدَبّرُ } وليس كما قال لما سمعت .

ومن باب الإشارة :{ الله الذي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي بغير عمد مرئية بل بعمد غير مرئية ، وجعل الشيخ الأكبر قدس سره عمادها الإنسان الكامل ، وقيل : النفس المجردة التي تحركها بواسطة النفس المنطبعة وهي قوة جسمانية سارية في جميع أجزاء الفلك لا يختص بها جزء دون جزء لبساطته وهي بمنزلة الخيال فينا وفيه ما فيه ، وقيل : رفع سموات الأرواح بلا مادة تعمدها بل مجردة قائمة بنفسها { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } بالتأثير والتقويم ، وقيل : عرش القلب بالتجلي { وَسَخَّرَ الشمس } شمس الروح بإدراك المعارف الكلية واستشراف الأنوار العالية { والقمر } قمر القلب بإدراك ما في العالمين والاستمداد من فوق ومن تحت ثم قبول تجليات الصفات { كُلٌّ يَجْرِى لأجل مُّسَمًّى } وهو كما له بحسب الفطرة { يُدَبّرُ الأمر } في البداية بتهيئة الاستعداد وترتيب المبادي { يُفَصّلُ الآيات } في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ } عند مشاهدة آيات التجليات { تُوقِنُونَ } [ الرعد : 2 ] عين اليقين .

وقال ابن عطاء : يدبر الأمر بالقضاء السابق ويفصل الآيات بأحكام الظاهر لعلكم توقنون أن الله تعالى الذي يجري تلك الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه سبحانه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} (2)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"الله" يا محمد هو الذي رفع السموات السبع بغير عمد ترونها، فجعلها للأرض سقفا مسموكا. والعمد جمع عمود، وهي السواري، وما يُعْمد به البناء...

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "رَفَعَ السّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها"؛ فقال بعضهم: تأويل ذلك: الله الذي رفع السموات بعمَد لا ترونها...

وقال آخرون: بل هي مرفوعة بغير عمد...

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: "اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها "فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جلّ ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه.

وأما قوله: "ثُمّ اسْتَوَى على العَرْشِ" فإنه يعني: علا عليه...

وقوله: "وسَخّرَ الشّمْسَ والقَمَرَ" يقول: وأجرى الشمس والقمر في السماء، فسخرهما فيها لمصالح خلقه، وذللهما لمنافعهم، ليعلموا بجريهما فيها عدد السنين والحساب، ويفصلوا به بين الليل والنهار.

وقوله: "كُلّ يَجْرِي لأَجَل مسَمّى" يقول جلّ ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء لأجل مسمى: أي لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكوّر الشمس، ويُخسف القمر وتنكدر النجوم، وحذف ذلك من الكلام لفهم السامعين من أهل لسان من نزل بلسانه القرآن معناه، وأنّ «كلّ» لا بدّ لها من إضافة إلى ما تحيط به...

وقوله: "يُدَبّرُ الأمْرَ" يقول تعالى ذكره: يقضي الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها أمور الدنيا والآخرة كلها، ويدبر ذلك كله وحده، بغير شريك ولا ظهير ولا معين سبحانه...

وقوله: "يُفَصّلُ الآياتِ" يقول: يفصل لكم ربكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجا بها عليكم أيها الناس، "لَعَلّكُمْ بِلِقاءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ" يقول: لتوقنوا بلقاء الله، والمعاد إليه، فتصدّقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا تيقنتم ذلك...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(الله الذي رفع السماوات) قوله: (رفع) أي أنشأها مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة فرفعها، (عمد) على ما أخبر، ولكن اللطف والأعجوبة في ما يمسكها بعمد لا ترى كاللطف والأعجوبة في ما يمسكها بغير عمد... وفيه دلالة قدرته على البعث لأنه ذكر هذا، ثم قال: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون): إن من قدر على رفع السماء مع سعتها وبعدها بلا عمد لقادر على إعادة الخلق وبعثهم وإحيائهم بعد الموت. بل رفعُ السماء مع سعتها وبعدها بلا عمد أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه، إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها، ولا يقدر على رفع سقف ذي سعة وبعد بغير عمد...

(يُفَصِّلُ الآيَاتِ) يحتمل: يبين الحجج والبراهين، ويحتمل (يُفَصِّلُ الآيَاتِ) أي آيات القرآن أنزلها بالتفاريق لا مجموعة. (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) هو ما ذكرنا أن ما ذكر من الآيات والتدبير ورفع السماء بلا عمد دلالة البعث والإحياء بعد الموت...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

دلَّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفعُ السمواتِ وليس تحتها عمادٌ يَشُدُّها، ولا أوتادٌ تُمْسِكها. وأخبر في غير هذه المواضع أنه زَيَّنَ السماءَ بكواكبها، وخصَّ الأرض بجوانبها ومناكبها. و {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: أي احتوى على مُلْكِه احتواءَ قُدْرَةٍ وتدبير. والعرشُ هو المُلْكُ حيث يقال: أندكَّ عرشُ فلان إذا زال مُلْكُه.

{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌ يَجْرِى لأِجَلٍ مُّسَمّىً}. كلٌّ يجري في فَلَكٍ. ويدلُّ كل جزء من ذلك على أنه فِعلُ في مُلْكِه غير مشترك...

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{يدبّر الأمر} أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وغير ذلك...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقاً فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله: {وكأين من آية} من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقاً بما لها في أنفسها من الثبات، والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار -على أنه قادر على كل شيء، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة، والدالة- بما للتعبير عنها من الإعجاز -على كونها من عند الله، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل، فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده {الذي رفع السماوات} بعد إيجادها من عدم- كما أنتم بذلك مقرون؛ والرفع: وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع، كائنة {بغير عمد} جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود، والعمود: جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وأصله منع الميل {ترونها} أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم إلا بعد تناسبها في العظم، هذا على أن {ترونها} صفة، ويجوز -ولعله أحسن- أن يكون على تقدير سؤال من كأنه قال: ما دليل أنها بغير عمد؟ فقيل: المشاهدة التي لا أجلى منها.

ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها، ذكر أنه شرع في تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر، وأشار إلى عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال: {ثم استوى على العرش} قال الرازي في لوامع البرهان: وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه، ولم ينسب شيئاً من خلقه كنسبته، فقال تعالى: {ذو العرش} كما قال {ذو الجلال} و "ذو "كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ، وقال الرماني: والاستواء: الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ السلطان، وأصله: استوى التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير -انتهى. وعبر ب "ثم" لبعد هذه الرتبة عن الأطماع وعلوها عما يستطاع، فليس هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم أن ما قبل كان على غير ذلك، والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا استووا على عروشهم، أي لم يكن لهم مدافع، وإن لم يكن هناك جلوس أصلاً، وذلك لأن روح الملك التدبير وهو أعدل أحواله والله أعلم {وسخر} أي ذلل تذليلاً عظيماً {الشمس} أي التي هي آية النهار {والقمر} أي الذي هو آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع والمصالح التي بها صلاح البلاد والعباد، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني له لما في الاسم من معنى الصفة، إذ لو وجد مثل لهما لم يتوقف في إطلاق الاسم عليه، ولا كذلك زيد وعمرو. والتسخير: التهيئة لذلك المعنى المسخر له ليكون بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه كتسخير النار للإنضاج والماء للجريان {كل} أي من الكوكبين {يجري}.

ولما كان السياق للتدبير، علم أن المراد بجريهما لذلك، وهو تنقلهما في المنازل والدرجات التي يتحول بها الفصول، ويتغير النبات وتضبط الأوقات، وكلما كان التدبير أسرع، علم أن صاحبه أعلم ولا سيما إن كان أحكم، فكان الموضع للام لا لإلى، فعلل بقوله: {لأجل} أي لأجل اختصاصه بأجل {مسمى} هذي أجلها سنة، وذاك أجله شهر؛ والأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر وانقطاعه.

ولما كان كل من ذلك مشتملاً من الآيات على ما يجل عن الحصر مع كونه في غاية الإحكام، استأنف خبراً هو كالتنبيه على ما فيما مضى من الحكمة، فقال مبيناً للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة الموصول من الأوصاف العظيمة: {يدبر الأمر} أي في المعاش والمعاد وما ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في أدباره وعواقبه ليأتي محكماً يجل عن أن يرام بنقض، بل هو بالحقيقة الذي يعلم أدبار الأمور وعواقبها، لا يشغله شأن عن شأن، مع أن هذا العالم- من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى -محتو عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص لا يحيط بها سواه، وذلك دال قطعاً على أنه سبحانه في ذاته وصفاته متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس له كفواً أحد.

ولما كان هذا بياناً عظيماً لا لبس فيه، قال {يفصل الآيات} أي التي برز إلى الوجود تدبيرها، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته، المشتملة عليها مبدعاته، فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها، تقريباً لعقولكم وتدريباً لفهومكم، لتعلموا أنها فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع ولا غيرها من الأسباب التي أبدعها، وإلا فكانت على نسق واحد، وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى كثرتها بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} فكأن هذه الألف واللام لذلك المنكر هناك.

ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالاًّ على تمام القدرة وغاية الحكمة، وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة، علل بقوله: {لعلكم بلقاء ربكم} أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من الدلالات الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما تحتاجه التربية {توقنون} أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالاً بالقدرة على ابتداء الخلق على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة، وأنه لا تتم الحكمة إلا بذلك.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{لأجل مسَمًّى} لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر، فإن كلاًّ منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة تنتهي فيها حركاتُهما...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله، ويشير إلى جملة قضاياها. ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس؛ وأن يكون هناك بعث لحساب الناس. وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم. وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم.

وتبدأ الريشة المعجزة في رسم المشاهد الكونية الضخمة.. لمسة في السماوات، ولمسة في الأرضين. ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة..

ثم التعجيب من قوم ينكرون البعث بعد هذه الآيات الضخام، ويستعجلون عذاب الله، ويطلبون آية غير هذه الآيات:

(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون)...

والسماوات -أيا كان مدلولها وأيا كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور- معروضة على الأنظار، هائلة -ولا شك- حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة، وهي هكذا لا تستند إلى شيء، مرفوعة (بغير عمد مكشوفة ترونها)..

هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه؛ ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد -أو حتى بعمد- إلا الله؛ وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه. ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة ومن إتقان، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد؛ وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان!

ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس، إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار: (ثم استوى على العرش)..

فإن كان علو فهذا أعلى. وإن كانت عظمة فهذا أعظم. وهو الاستعلاء المطلق، يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة.

وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة. لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور، تتجاوران وتتسقان في السياق..

ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير. تسخير الشمس والقمر. تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة، أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى، ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك لله الكبير المتعال.

ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته. فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول. وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير. وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس: نجم وكوكب، ويتقابلان في الأوان، بالليل والنهار..

ثم نمضي مع السياق.. فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير:

(كل يجري لأجل مسمى)..

وإلى حدود مرسومة، ووفق ناموس مقدر. سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية. أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه. أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور.

(يدبر الأمر)..

الأمر كله، على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه، لا شك عظيم التدبير جليل التقدير.

ومن تدبيره الأمر أنه (يفصل الآيات) وينظمها وينسقها، ويعرض كلا منها في حينه، ولعلته، ولغايته (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) حين ترون الآيات مفصلة منسقة، ومن ورائها آيات الكون، تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة، وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام.. ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا، لتقدير أعمال البشر، ومجازاتهم عليها. فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمة الخلق الأول عن حكمة وتدبير.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... تدبير الأمر يشمل تقدير الخلق الأول والثاني فهو إشارة إلى التصرف بالتكوين للعقول والعوالم، وتفصيل الآيات مشير إلى التصرف بإقامة الأدلة والبراهين، وشأن مجموع الأمرين أن يفيد اهتداء الناس إلى اليقين بأن بعد هذه الحياة حياة أخرى، لأن النظر بالعقل في المصنوعات وتدبيرها يهدي إلى ذلك، وتفصيلَ الآيات والأدلة ينبه العقول ويعينها على ذلك الاهتداءِ ويقرّبه.

وهذا قريب من قوله في سورة يونس: {يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذّكرون إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً إنه يبدأُ الخلق ثم يعيده} [يونس: 3]. وهذا من إدماج غرض في أثناء غرض آخر لأن الكلام جار على إثبات الوحدانية. وفي أدلة الوحدانية دلالة على البعث أيضاً.

وصيغ {يدبر} و {يفصل} بالمضارع عكس قوله: {الله الذي رفع السماوات} لأن التدبير والتفصيل متجدّد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات. وأما رفع السماوات وتسخير الشمس والقمر فقد تم واستقرّ دفعة واحدة.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وتحدث كتاب الله عما أبدعه بديع السماوات والأرض من مختلف الأكوان في العالم العلوي والعالم السفلي، داعيا كل الناس على اختلاف الألوان والأجناس، إلى تأمل آياته الكونية، تمهيدا للإيمان بآياته الدينية، فقال تعالى: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد، ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون، وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}. ففي هذه الآيات الكريمة عرض سريع وخاطف لمظاهر متنوعة من صنع الله العجيب، وظواهر دقيقة من تدبيره المحكم، مما يبعث على التفكر والتدبر كل من عنده عقل أو فكر. والوحي الإلهي الذي امتاز به الإسلام لا يتهيب أن يحتكم دائما إلى العقل الناضج والفكر السليم، وأن يعتمد عليهما، بل هو واثق بانتصاره أمام فحصهما، مطمئن إلى إقناعه لهما، لأنه منبثق من صميم الفطرة الأصيلة التي فطر الله الناس عليها، ولا يوجد أي تعارض أو تناقض بينه وبينها {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{يُفَصِّلُ الآيَاتِ} الكونية على رأي بعض التفاسير وذلك في فصل الأشياء بعضها عن بعض، وتمييزها في خصائصها ودقائقها، بحيث لا تختلط الأشياء فيها ولا ترتبك الظواهر والموجودات، أو الآيات المنزلة من عند الله كما في تفسير بعضٍ آخر وذلك بتوضيحها وكشف حقائقها وخصائصها، بحيث لا تخفى على أحدٍ، ولا يشتبه أمرها على الناس، ليعرفوا، من خلال ذلك، كيف يعرفون الله بعظمته وحكمته وتدبيره، وكيف يؤمنون به في وحيه ورسالته، لينتهي ذلك بهم إلى استلهام تدبير الله في منع العبث في انتهاء الحياة إلى اللاهدف واللامعنى الذي يتحدث عنه المنكرون للآخرة...