وهذه محنة يوسف الثانية : لقد افتتنت امرأة العزيز بجماله ، فأَشعل ذلك في نفسها جذوة الحب ، فراودته عن نفسه ، فأبى ، وحاولت إغراءه بشتّى الطرق ، حتى همت بمخالطته ، ومال إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ، ولكنه رأى في سريرة نفسه ما جعلته يمتنع عن المعصية والخيانة ، وثبت على طُهره وعفافه . بذلك صرف الله عنه سوء الخيانة والمعصية وظل هو من عباد الله الذين أخلصوا دينهم له .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب : «المخلصين » بكسر اللام والباقون : «المخلَصين » بفتح اللام كما هو في المصحف .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } { هيت } من الهم وهو العزيمة . هم يهم ؛ أي عزم يعزم{[2225]} . هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه . والمراد بالهم من يوسف : ما كان في دخيلته من خطوات القلب أو حديث النفس مع الامتناع . فما كان منه غير حديث نفس من غير فعل . ولا يؤاخذ العبد على ما يخطر بباله أو يحدث به نفسه . لكن امرأة العزيز عزمت على المواقعة وابتغتها لنفسها من يوسف ؛ فهي بذلك قد همت بالمعصية وكانت مصرة على فعلها . وهم يوسف بميل الطبع ومنازعة الشهوة ولم يقصد الفعل ؛ لأنه الله قد أراه برهانا فامتنع عن العزم أو الفعل ، وهذا تأويل قوله : { لولا أن رءا برهان ربه } { لولا } أداة امتناع لوجود . والمصدر من { أن رءا } في موضع رفع مبتدأ . وخبر المبتدأ وهو هنا جواب لولا : محذوف ، والتقدير : لولا رؤية برهان ربه لخالطها ، أو لفعل ما هم به . وذلك كقوله : هممت بقتله لولا أني خفت الله . أو لولا أني خفت الله لقتله{[2226]} .
وعلى هذا خلاف في أن الهم من امرأة العزيز كان فعل المعصية . أما الهم من يوسف فهو موضع خلاف بين العلماء . والظاهر أنه هم بها لكنه لما رأى البرهان من الله لم يهم ؛ وذلك لوجوب العصمة في حق الأنبياء . وبذلك يكون في الكلام تقديم وتأخير . والتقدير : لولا أن رأى يوسف برهان ربه لكان قد هم بها . فهمت هي بالمعصية أما هو فقد هم ولم يواقع ما هم به بسبب البرهان الذي رآه .
قوله : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء } الكاف في اسم الإشارة في موضع نصب صفة لمصدر محذوف ، والتقدير : أريناه البرهان رؤية مثل ذلك . وقيل : في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : الأمر مثل ذلك . والمراد بالسوء : خيانة زوجها العزيز ، وهو الذي أكرمه وأحسن إليه { والفحشاء } معناه الزنا . والمعنى : كما رأيناه البرهان الذي صرفه عما هم به من الفاحشة ، كذلك نقيه السوء والفحشاء . أو نقيض له ما يزجره عن إتيان المعاصي { غنه من عبادنا المخلصين } بفتح اللام ؛ أي من الذين استخلصهم الله لدينه وتبليغ رسالته{[2227]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.