تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (64)

أهل الكتاب : اليهود والنصارى .

كلمة سواء : كلمة عدل وإنصاف .

بعد أن بيّن الله تعالى لنا حقيقة الأمر في قضية عيسى وكيف عرضها محمد في دعوته إلى التوحيد والإسلام ، وكيف عاند أهلُ الكتاب تلك الدعوة حتى اضطر النبي إلى دعوتهم إلى المباهلة ، فخافوا وأحجموا عنها ، طلب من رسوله الكريم أن يدعوهم هنا إلى أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا . فقل يا محمد : يا أهل الكتاب ، تعالوا إلى كلمة عادلة اتفقت عليها الرسل والكتب التي أُنزلت من عند الله ، وهي أن لا نعبد إلا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دونه ، ولا نطيع أحداً غيره في تحليل أو تحريم . فإن أعرضوا عن هذه الدعوة ، وأبوا إلا أن يعبدوا غير الله ، فقولوا لهم أيها المسلمون : اشهدوا بأننا منقادون لأحكام الله ، ولا نعبد أحداً سواه .

روي عن عدّي بن حاتم قال : أتيت رسول الله وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال : يا عدي ، اطرح عنك هذا الوثن . وسمعته يقرأ من سورة براءة : { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } . فقلت له : يا رسول الله ، لم يكونوا يعبودنهم ، قال : «أما كانوا يحللون ويحرّمون ، فتأخذون بأقوالهم ؟ » قلت : نعم فقال : «هو ذاك » يعني أَن هذا التحريم والتحليل يجعلهم بمثابة الأرباب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (64)

قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .

أهل الكتاب هم اليهود والنصارى . والمراد بهم هنا في الآية موضع تفصيل . فقد قيل : المراد نصارى نجران . وقيل : المراد يهود المدينة . وقيل : بل نزلت في الفريقين كليهما وهما النصارى واليهود . ويؤيد ذلك ما روي في سبب نزول هذه الآية ، وهو أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى . وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير ! ! فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قوله : ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) السواء يعني العدل والنصفة ومعنى الآية : هلموا يا أهل الكتاب إلى الكلمة العادلة المستقيمة نتبعها نحن وأنتم .

وقد فسر الكلمة العدل هذه بقوله تعالى : ( ألا نعبد إلا الله ) أي نوحد الله فلا نعبد غيره ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا ، وهو مقتضى قوله : ( ولا نشرك به شيئا ) فلا نعبد مع الله وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا غير ذلك ، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له .

قوله : ( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) أي لا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله ، ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه . ويشبه ذلك قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله .

قوله : ( فإن تولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أي إن أعرض هؤلاء عما دعوا إليه من الكلمة السواء فلم يستجيبوا فقلوا لهم : ( اشهدوا بأنا مسلمون ) يعني اجهروا لهم في إعلان قارع ظاهر لا تردد فيه ولا لبس أننا مستمسكون بدين الإسلام ماضون على صراطه القويم ، لا نحيد عنه البتة ، ولا نلين في الالتزام بكل شرائعه وتعاليمه{[2]} .


[2]:مختار الصحاح ص 236.