تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (34)

اذكُر يا محمد حين قلنا للملائكة اسجُدوا سجود خضوع وتحيّة لآدم ، ( لا سجود عبادة ، فالمعبود هو الله وحده ) ، فصدعوا للأمر الرباني وسجدوا .

وقد جاء السجودُ في القرآن بمعنى غير العبادة كما هو هنا ، وفي سورة يوسف { وَرَفَعَ أبويْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } [ 100 ] أي : تحيةً ، كما هي العادة التي كان الناس يتبعونها في تحية الملوك والعظماء .

ولقد سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى وامتنع ، لقد استكبر ، فلم يطع أمر الحق ، ترفعاً عنه ، وزعماً بأنه خيرٌ من آدم ، كما ورد في سورة الأعراف { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ 11 ] . وكان من الكافرين بِنِعم الله وحكمته وعلمه .

وقد التبسَ على بعض الغربيّين أمرُ السجود ، وذلك ديدنُهُم في النقد كلّما وجدوا له فرصة في قصص القرآن . قال : " بابيني " الإيطالي صاحب كتاب " الشيطان " : " إنه يستغرب أن يؤْمر إبليس بالسجود لآدم مع غلوّ القرآن في تحريم الشِرك وتنزيه الوحدانية الإلَهية " . فهو إما أنه لا يعرف أن السجود قد يكون للتحية والتكريم ، أو أنه من أولئك المتعصّبين الذين لا يريدون أن يفهموا . وهؤلاء لا حيلة لنا معهم ، وهم في الغرب كثيرون .

وإبليس : أشهر اسم للشيطان الأكبر ، ومن أشهر أسمائه في اللغات : " لوسيفر "

و " بعلزبول " و " مغستوفليس " و " عزازيل " . وقد تقدم أن الشيطانَ كل عاتٍ ومتمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء ، وهذه الأسماء تمثل قوةَ الشر الكبرى في العالم في موقفها أمام عوامل الخير والكمال .

والشيطان كلمةٌ عربية أصيلة ، لأن اللغة اشتملت على كل أصل يمكن أن يتفرع منه لفظ الشيطان ، ففيها مادة شط وشاط وشطَنَ وشَوَط ، وكل هذه الألفاظ تدل على البُعد والضلال والتلهُّب والاحتراق . وهي تستوعب أصول المعاني التي تُفهم من كلمة شيطان . وقد كان العرب يسمّون الثعبان الكبير شيطاناً ، وبذلك فسّر بعض المفسّرين قوله تعالى : { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين } [ الصافات : 65 ] أي : الأفاعي ، وورد كثيرا في الشعر العربي .

ويرى بعضهم أن " إبليس " مأخوذ من الإبلاس ، ومعناه : النَّدم والحُزن واليأس من الخير .

فيما يقول بعضهم : إنه أعجمي . .

لكنه على كل حال يدل على الفتنة والفساد .

وإبليس من الجن ، لما ورد بصراحة في القرآن { وَإذا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ البقرة : 34 . . ] .

قال الزمخشري : «جنّيُّ الملائكةِ والجن واحد ، لكن من خَبُثَ من الجن وتمرد شيطان ، ومن تطهّر ملَك » . وقال الراغب : «الجن يقال على وجهين أحدهما للروحانيين المستترين عن الحواس كلها بإزاء الإنس ، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة كلها » .

ويقول في تفسير المنار : «وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلاً جوهرياً يميز أحدهما عن الآخر ، وإنما هو اختلاف أصنافٍ عندما تختلف أوصاف ، كما ترشد إليه الآيات . وعلى كل حال فإن جميع هذه المسمّيات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا نعلم حقائقها ولا نبحث عنها » ، فعلينا أن نؤمن بها كما وردت .

ولا يهمنا إن كان إبليس من الملائكة أو من الجن ، فهذا جدلٌ لا طائل تحته ، والمهم أنه عصى ربه ، وأصبح عنواناً على الشر والطغيان .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (34)

قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } . قرأ أبو جعفر للملائكة اسجدوا بضم التاء على جوار ألف اسجدوا وكذلك قرأ ( قل رب احكم بالحق ) بضم الباء ، وضعفه النحاة جداً ونسبوه إلى الغلط فيه واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة فقال بعضهم : مع الذين كانوا سكان الأرض . والأصح : أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) وقوله : اسجدوا فيه قولان : الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة ، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره ، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية ، لا سجود عبادة ، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل ( وخروا له سجداً ) ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض ، إنما كان انحناء ، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام . وقيل : معنى قوله اسجدوا لآدم أي إلى آدم فكان آدم قبلة ، والسجود لله تعالى ، كما جعلت الكعبة قبلةً للصلاة والصلاة لله عز وجل .

قوله تعالى : { فسجدوا } . يعني : الملائكة .

قوله تعالى : { إلا إبليس } . وكان اسمه عزازيل بالسريانية ، وبالعربية الحرث ، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل : إبليس ، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي يئس . واختلفوا فيه فقال ابن عباس وأكثر المفسرين : كان إبليس من الملائكة ، وقال الحسن : كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة ، والأول أصح . لأن خطاب السجود كان مع الملائكة ، وقوله ( كان من الجن ) أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة . وقال سعيد بن جبير : من الذين يعملون في الجنة ، وقال : قوم من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلي أهل الجنة ، وقيل : بأن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جناً لاستتارهم عن الأعين ، وإبليس كان منهم . والدليل عليه قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) وهو قولهم : الملائكة بنات الله ، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية .

قوله تعالى : { أبى } . أي امتنع فلم يسجد .

قوله تعالى : { واستكبر } . أي تكبر عن السجود لآدم .

قوله تعالى : { وكان } . أي : وصار .

قوله تعالى : { من الكافرين } . وقال أكثر المفسرين : وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي ، أنا ابن الحاكم أبو الفضل محمد ابن الحسين الحدادي ، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ، أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فأطاع فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار " .