تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

وبعد أن أرشدهم الرحمن إلى دلائل التوحيد ، وحثهم على عبادة الخالق العظيم ، أشار لهم إلى دلائل وحدانيته من آيات قدرته المحيطة بهم في أرضه وسمائه ، وبصّرهم بما أنعم عليهم فيها من وسائل الحياة ، وموارد الرزق ، فقال : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } مهّده بقدرته وبسَط رقعته بحكمته ، كيما يسهُل عليكم العيش فيها والانتفاع بها . والبسط والتمهيد هنا لا يعني كروية في الشكل ولا عدمها ، وإنما يعني تذليل الأرض لنفع الإنسان . لكنّ الله بسط لنا في الأرض السهول ، وجعل لنا فيه الجبال الشاهقة ، والبحار العميقة ، والأنهار الجارية ، والأودية السحيقة ، كل ذلك جعله لنا ، نتمتع بكافة خيراتها العديدة الأصناف .

أما فوقنا ، فقد جعل السماء وأجرامها وكواكبها المتراصة في نظرنا كالبنيان المشيد . ومن هذه السماء أمدّنا جلّ وعلا بسبب الحياة والنعمة ، ألا وهو الماء . أنزله علينا يغيثنا به ، فجعله سبباً لإخراج النبات والشجر المثمر .

لذا فإن من عمى البصيرة والبصر أيها الناس أن تجعلوا لله أندادا . فلا تفعلوه . إذ من الغيّ وحده أن تتصوروا أن لله نظراء ، ثم تأخذون تعبدونهم كعبادته . إنه خالقكم ، ليس له مثيل ولا شريك ، وأنتم بفطرتكم الأصيلة تعلمون أنه لا مثيل له ولا شريك ، فلا تحرّفوا هذه الطبيعة . نعم إن كثيراً من مشركي العرب كانوا يعتقدون بالإلَه ، لكنهم يتذرعون بقولهم : إنما نعبد هذه الأصنام لتُقِّربنا إلى الله . . فهل الله في حاجة إلى وثن يتخذه واسطة بينه وبين عباده ! !

وفي هذه الآية جزء من دلائل الإعجاز في القرآن الكريم ، وهو قوله تعالى { السماء بِنَآءً } ، ففي ذلك معنى ، ما كان يمكن أن يعرفه النبي الأميّ ، إلا بوحي من الله . فالسماء في المعنى العلمي هي : كل ما يحيط بالأرض في أي اتجاه ،

وإلى أي مدى ، وعلى أية صورة . ويشمل ذلك الجوّ المحيط بالأرض إلى ارتفاعات تنتهي حيث يبدأ الفراغ الكوني الشاسع ، بما فيه من الأجرام السماوية المنتشرة في أعماقه السحيقة ، على اختلاف أشكالها وأحجامها . وهي تتحرك في نظام بديع عجيب ، على أساسه يتوالى ظهورها واختفاؤها لسكان الأرض . وهي جميعاً في دورانها وترابطها بقوى الجاذبية ، كالبنيان في تماسكه واتزانه ، وتدّرجه طبقة بعد طبقة .

وكل هذا لم يكن معروفاً للعلم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي الجزء الأدنى من السماء ، وهو الحد المحيط بالأرض ، القريبُ منها مباشرة- توجد الطبقات الجوية المختلفة الواقية من الإشعاعات الضارة عن أرجاء الكون ، والتي لا تسمح إلا للأشعة المنيرة منها بالنفاذ ، فهي كالمضلات الواقية . وفي هذه الطبقة يكون السحاب ومنه المطر .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

{ يا أيها الناس } لما قدم اختلاف الناس في الدين وذكر ثلاث طوائف : المؤمنين ، والكافرين والمنافقين ، أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله وجاء بالدعوة عامة للجميع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس .

{ اعبدوا ربكم } يدخل فيه الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته ، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحدا ، والأمر بالتوحيد لمن كان مشركا ، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمنا .

{ لعلكم } يتعلق بخلقكم : أي خلقكم لتتقوه كقوله :{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }[ الذاريات : 56 ] أو بفعل مقدر من معنى الكلام : أي دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون ، وهذا أحسن . وقيل يتعلق بقوله :{ اعبدوا } وهذا ضعيف .

وإن كانت لعل للترجي فتأويله أنه في حق المخلوقين جريا على عادة كلام العرب .

وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال ، والأظهر فيها : أنها لمقاربة الأمر نحو عسى ، فإذا قالها الله : فمعناها أطباع العباد ، وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى .

{ الأرض فراشا } تمثيل لما كانوا يقعدون وينامون عليها كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء .

{ من الثمرات } من للتبعيض أو لبيان الجنس ، لأن الثمرات هو المأكول من الفواكه وغيرها والباء في به سببية ، أو كقولك : كتبت بالقلم لأن الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى .

{ فلا تجعلوا } لا ناهية أو نافية ، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا والأول أظهر .

{ أندادا } يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جل وعلا .

{ وأنتم تعلمون } حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين ، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق ، ويتعلق قوله ب { لا تجعلوا } بما تقدم من البراهين ، ويحتمل أن يتعلق بقوله : { اعبدوا } والأول أظهر .

فوائد ثلاث :

الأولى : هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين :

أحدهما : إقامة البراهين بخلقتهم ، وخلقة السماوات والأرض والمطر والثمرات .

والآخر : ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ، ومن الإنعام ، فذكر أولا ربوبيته لهم ، ثم ذكر خلقته لهم وآباءهم ، لأن الخالق يستحق أن يعبد ، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشا والسماء بناء ، ومن إنزال المطر ، وإخراج الثمرات ، لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر ، وانظر قوله : { جعل لكم } . و{ رزقا لكم } : يدلك على ذلك ، لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع .

الثانية : المقصود الأعظم من هذه الآية : الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها :{ فلا تجعلوا لله أندادا } ، وذلك هو الذي يترجم عنه بقولنا : لا إله إلا الله ، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد ، وقول : لا إله إلا الله : تكون في القرآن ذكر المخلوقات ، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار ، وذلك أنها تدل بالعقل على عشرة أمور : وهي :

أن الله موجود ، لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة .

وأنه واحد لا شريك له ، لأنه لا خالق إلا هو { أفمن يخلق كمن لا يخلق }[ النحل : 17 ] .

وأنه حي قدير عالم مريد ، لأن هذه الصفات الأربع من شروط الصانع ، إذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها .

وأنه قديم لأنه صانع للمحدثات ، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث .

وأنه باق ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه .

وأنه حكيم ، لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت . وأنه رحيم ، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم ، سخر لهم ما في السماوات ، وما في الأرض ، وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى ، وعلى وحدانيته .

فإن قيل : لم قصر الخطاب بقوله :{ لعلكم تتقون } على المخاطبين دون الذين من قبلهم ، مع أنه أمر الجميع بالتقوى ؟ فالجواب : أنه لم يقصره عليهم ، ولكنه غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمراد الجميع .

فإن قيل : هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا ؟ فالجواب : أن التقوى غاية العبادة وكمالها فكان قوله :{ لعلكم تتقون } أبلغ وأوقع في النفوس .