تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

المفردات :

المِثل والمثَل كالشِبه والشَبه والشبيه ، يُستعمل في تمثيل حالة الشيء وبيانه . وللمَثَل وقع كبير مؤثر في الكلام . وقد أكثر القرآن من ضرب الأمثال { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون } [ العنكبوت : 29 ] .

شبّه الله حال المنافقين بقومٍ أوقدوا ناراً لتضيء لهم وينتفعوا بها ، فلما أنارت ما حولهم من الأشياء ذهب اللهُ بنورهم ، وترك موقديها في ظلماتٍ كثيفة لا يبصرون معها شيئاً . وذلك لأن الله تعالى قدّم لهم أسباب الهداية فأبصروا وعرفوا الحق بالإيمان ، ثم عادوا إلى النفّاق والكفر .

إنهم لم يتمسكوا بهداية الله ، فصارت بصائرهم مطموسة بسبب نفاقهم وتذبذبهم ، فاستحقوا أن يبقوا في الحيرة والضلال .

والله سبحانه وتعالَى لمّا وصفهم في هذه الآية بأنهم اشتروا الضلالة لأنفسهم بالهدى الذي تخلّوا عنه ، مثّل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة لما حولها ، ومثل الضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وبقائهم في ظلمات لا يبصرون .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

{ مثلهم كمثل } إن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف للتشبيه وإن كان المثل بمعنى التشبيه فالكاف زائدة .

{ استوقد } أي : أوقد وقيل : طلب الوقود على الأصل في استفعل .

{ فلما أضاءت } إن تعدى فما حوله مفعول به ، وإن لم يتعد فما زائدة أو ظرفية .

{ ذهب الله بنورهم } أي : أذهبه ، وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره طفيت النار وذهب الله بنورهم : جملة مستأنفة والضمير عائد على المنافقين ، فعلى هذا يكون { الذي } على بابه من الإفراد ، والأرجح أنه أعيد ضمير الجماعة لأنه لم يقصد بالذي : واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمن استوقد نارا سواء كان واحدا أو جماعة ، ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه ، لأنهم جماعة ، فإن قيل : ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيه بالنور ، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده .

والثاني : أن استخفاء كفرهم كالنور ، وفضيحتهم كالظلمة .

والثالث : أن ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر ، فإيمانه نور ، وكفره بعده ظلمة ، ويرجح هذا قوله :{ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا }[ المنافقون :3 ] .

فإن قيل : لم قال :{ ذهب الله بنورهم } ولم يقل أذهب الله نورهم ، مشاكلة لقوله : { فلما أضاءت } ؟ فالجواب : أن إذهاب النور أبلغ لأنه إذهاب للقليل والكثير ، بخلاف الضوء فإنه يطلق على الكثير .