تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّـٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (40)

إسرائيل : لقب يقعوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ومعنى إسرائيل : الأمير المجاهد ، أو صفّي الله . وهناك من يرى أنه تعني : «عبد ايل » ، أي : عبد الله ، من فعل أسِر العبري ، ورديفِه في العربية .

أما إسحاق ، فمن أصل «يتسحك » العبري ومعناه : يضحك . وقد اعترض الكثير من علماء اللاهوت الأوروبيين على التسمية بصيغة «الفعل » حتى شكّوا في الأصل .

وبنوه : ذريته ، وهم الأسباط الاثنا عشر ، ويسمَّون العبرانيين أيضا لعبورهم نهر الأردن . وهم منتشرون في العالم كله ، حيث اختصوا بالنشاطات السهلة الكبيرة المردود ، وكانوا يقدَّرون قبل الحرب العالمية الثانية بنحو ستة عشر مليوناً ، هلك منهم في الحرب نحو خمسة ملايين كما يزعمون . ويتكلم أكثرهم اللغة الإيديّة ، وهي لغة أقلِّيَةٍ ، أساسُها الألمانية ممتزجة بكلمات عبرية ، والعبرية لغتهم الأولى وهي إحدى اللغات الساميّة .

ويبدأ تاريخهم المعروف بإقامة فريق منهم في «غوش » في الشمال الشرقي من مصر ، منذ عدة قرون قبل المسيح ، أيام رمسيس الثاني ، وكانوا زرّعا ، وقد لاقوا في مصر بعض العنَت إلى أن خرج بهم موسى ، وفي طور سيناء أبلغهم الوصايا العشر فلم يحفظوها ، ثم تاهوا في الصحراء سنين عديدة قبل أن يستولوا على قسمٍ من أرض كنعان استقروا فيه .

وكانوا منقسمين إلى قبائل ، على رأس كل واحدة شيخ قبلي وكاهن يسمّونه القاضي ، هذا هو نظام القضاة . ولقد حاربوا الفلسطينيين القادمين من كريت ، بقيادة شاؤول ، فهزمهم هؤلاء ، ثم جاء داود ووحّدهم وانتصر بهم على أعدائه ، وحقّق لشعبه السلام والرفاهية .

وعقبه سليمان الذي بنى أول هيكل ، ثم انقسم بعده اليهود إلى أسباط الشمال بقيادة يربعام ، وكونّوا مملكة السامرة ، وأسباط الجنوب تحت قيادة ابن سليمان وكونوا مملكة يهوذا .

ودارت الحرب بين المملكتين مدة طويلة ، ثم استولى الآشوريون على المملكتين ، ونفوا كثيرا من اليهود ، ثم استولى عليهما المصريون ، ومن بعدهم البابليون الذين هدموا الهيكل سنة ست وثمانين وخمس مائة قبل الميلاد ، وأخذوا اليهود أسرى إلى بابل . وقد بقوا هناك حتى سمح لهم قورش الفارسي بالعودة ، وأعادوا بناء هيكلهم مرة أخرى سنة ستة عشر وخمس مائة قبل الميلاد .

وفي العصر الهليني كانوا جماعة دينية لا كيان لهم ، واستعادوا استقلالهم السياسي تحت المكابيين . ثم أدى النضال بين الفريسيين والصدوقيين ، وهما من أهم الفرق اليهودية ، إلى أن تدخّل الرومان الذين استولوا على البلاد من البطالسة ، وهدموا أورشليم سنة سبعين للميلاد .

وفي القرون الوسطى وقع على اليهود من قبل الأوروبيين اضطهاد شديد استمر حتى القرن الثامن عشرللميلاد . لقد حُرّم عليهم امتلاك الأرض ، وممارسة كثير من المهن الحرة ، ولم يُترك لهم إلا التجارة الصغيرة وتسليف النقود ، لذا تجمعت شراذمهم في أحياء خاصة بهم .

وقد طرد كثير منهم من فرنسا وانجلترا واسبانيا والبرتغال ، ولجأوا إلى هولندا وبلاد الإسلام حيث عاشوا آمنين .

ثم أخذت الرأسمالية بيدهم في القرن الثامن عشر للميلاد ، وأصبحوا وراء الأعمال الاقتصادية الكبرى .

وقد أدى تحررهم التدريجي إلى ظهور تيارين متعارضين في أوساطهم : أولهما : يدعو إلى رسالة ثقافية ، وعلى رأسه موسى مندلسون ، والثاني : يدعو إلى رسالة سياسية هي الصهيونية ، وعلى رأسه ثيودور هرتزل 1896 . وقد نشط التيار الثاني ، وسعى معتنقوه إلى المطالبة بدولة يهودية في فلسطين ، حتى نجحوا في ذلك بمساعدة الدول الغربية المسيحية ، وما مساعدتها هذه إلا حركة امتداد للحروب الصليبية الغابرة .

هكذا وُجدت الحركة الصهيونية الرامية إلى إقامة دولة يهودية على غرار الدولة القديمة التي قضت عليها روما . وقد سعى زعيمها هرتزل سعياً حثيثاً لجمع المال والرجال وعقد أول مؤتمر لجماعته في مدينة بال بسويسرا ، وفي ذلك المؤتمر قال هرتزل : «الآن خُلقت دولة إسرائيل » ، فقد قرر المؤتمرون تكوين منظمات صهيونية في البلاد التي يقطنها عدد كاف من اليهود ، وقام بأمر الصهيونية من بعده زعماء آخرون ، أمثال : ماكسي نوردو ، وحاييم ، وايزمان . وتعاقبت مؤتمراتها ، وتحمس لها يهود شرق أوروبا ، وأمدها يهود أمريكا بالمال .

وتطلعت الصهيونية إلى فلسطين ، ثم جاء وعد بلفورالوزير الانجليزي سنة 1917 الذي سمح لليهود أن يكون لهم وطن قومي في فلسطين ، فعزز آمال الصهاينة ، من ثم بدأت هجرة اليهود إلى فلسطين سنة 1923 ، وزادت في عهد الانتداب الانجليزي بالتواطؤ ، وقد شجّعت على ذلك حركات الاضطهاد في أوروبا كالحركة النازية .

وفي سنة 1945 أوقف الانجليز الهجرة ، ولكن بعد أن أصبح عدد اليهود في فلسطين خطرا على العرب . ثم كانت المشكلة الفلسطينية الكبرى التي عُرضت على هيئة الأمم ، فقررت تقسيم فلسطين بين العرب واليهود في 14 يونيه 1948 .

ولم يقبل العرب هذا التقسيم لأنه هدرٌ لحقهم في وطنهم ، ورغم ذلك أُعلنت الدولة اليهودية في ذلك التاريخ . وقامت الحرب بين أهل فلسطين واليهود حتى دخلت جيوش الدول العربية ، ولم يكن العرب على استعداد للحرب ، أما اليهود فكانوا قد أعدوا كل شيء ، بفضل الدول الغربية . لذا أخذوا أكثر من القسم الذي خصصه لهم قرار التقسيم .

ولا تزال الحالة متوترة والحرب قائمة ، ولن تهدأ حتى يسترد الفلسطينيون حقوقهم كاملة . والله نسأل أن يلهمنا رشدنا ، ويوحّد صفوفنا بقوة من عنده . ولابد من نصرِنا عليهم طال الزمن أو قصر .

بعد أن استعرض سبحانه وتعالى في أوائل هذه السورة الكتابَ الحكيم ، وأنه لا ريب فيه ، بيّن أصناف البشر من مؤمن ، وكافر ، ومنافق . ثم طالب الناس بعبادته . ثم أقام الدليل على أن الكتاب مُنزل من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، وتحدى المرتابين أن يأتوا بمثله . ثم حاجّ الكافرين . ثم ذكر خلق السماوات والأرض ، وأن جميع ما في الأرض من منافع هي للإنسان .

وهنا خاطب الشعوب والأمم التي ظهرت بينها النبوة ، فبدأ بذِكر اليهود لسببين :

الأول : أنهم أقدم الشعوب التي أُنزلت عليها الكتب السماوية ، والثاني : لأنهم كانوا أشد الناس حقداً على المؤمنين في المدينة المنورة ، كان اليهود في المدينة وشمال الحجاز ، في خَيبر وغيرها ، يكيدون للإسلام ، ويوغرون صدور المشركين على النبي والصحابة ، فذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم ، إذ جعل النبوة فيهم زمناً طويلا ، وطلب إليهم القيام بواجب شكرها ، وكأنه يسألهم أن أوفوا بوعدي الذي أخذتُه علكيم ، وأقررتموه على أنفسكم ، وهو الإيمان والعمل الصالح والتصديق بمن يجيء بعد موسى من الأنبياء- حتى أوفي بوعدي لكم ، وهو حسن الثواب والنعيم المقيم .

وهذه الآية تشير إلى وجوب وفاء كلا المتعاقدين بما عليه من التزام ، فإذا أخلّ أحدهما بالتزامه سقط وجوب الوفاء عن الآخر .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّـٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (40)

{ يا بني إسرائيل } لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم : دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود ، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء ، فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم ، وتارة بالتخويف ، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم ، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها .

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء ، وهي :

1-{ وإذ نجيناكم من آل فرعون }[ البقرة :49 ] .

2-{ وإذا فرقنا بكم البحر }[ البقرة :50 ] .

3-{ وبعثناكم من بعد موتكم }[ البقرة :56 ] .

4-{ وظللنا عليكم الغمام }[ البقرة :57 ]

5-{ وأنزلنا عليكم المن والسلوى }[ البقرة :57 ] .

6-و{ وعفونا عنكم }[ البقرة :52 ] .

7-{ وتاب عليكم }[ البقرة :54 ] .

8-{ ويغفر لكم خطاياكم }[ البقرة :58 ] .

9-{ وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون }[ البقرة :53 ] .

10-{ وانفجرت منه اثنتا عشرة عينا }[ البقرة :60 ] .

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء :

1-قولهم :{ سمعنا وعصينا }[ البقرة :93 ] .

2-{ واتخذتم العجل }[ البقرة :51 ] .

3-وقالوا :{ أرنا الله جهرة }[ النساء :153 ] .

4- { فبدل الذين ظلموا }[ البقرة :59 ]

5-و{ لن نصبر على طعام واحد }[ البقرة :61 ] .

6-و{ يحرفونه }[ البقرة :75 ] .

7-و{ توليتم من بعد ذلك }[ البقرة :64 ]

8-و{ قست قلوبكم }[ البقرة :74 ] .

9-{ وكفرهم بآيات الله }[ النساء :155 ] .

10-{ وقتلهم الأنبياء بغير حق } [ آل عمران :181 ] .

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء :

1-{ وضربت عليهم الذلة }[ آل عمران :112 ] .

2-{ عليهم }[ آل عمران :112 ] .

3-{ وباءوا بغضب من الله }[ آل عمران :112 ] .

4-{ ويعطوا الجزية }[ التوبة :29 ] .

5-و{ فاقتلوا أنفسكم }[ النساء :66 ] .

6-و{ كونوا قردة }[ الأعراف :166 ] .

7-{ فأسلنا عليهم رجزا من السماء }[ الأعراف :162 ] .

8-{ فأخذتكم الصاعقة }[ البقرة :55 ] .

9-{ وجعلنا قلوبهم قاسية }[ المائدة :13 ] .

10-{ وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }[ المائدة :160 ] .

وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين ، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر ، وهي :

1-كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، مع معرفتهم به .

2-{ ويحرفون الكلم }[ النساء :46 ] . و{ يقولون هذا من عند الله }[ البقرة :79 ] . 3-و{ تقتلون أنفسكم }[ البقرة :85 ] .

4-{ وتخرجون فريقا منكم من ديارهم }[ البقرة : 85 ] .

5-وحرصهم على الحياة .

6-وعداوتهم لجبريل .

7-وإتباعهم للسحر .

8-وقولهم نحن أبناء الله .

9-وقولهم يد الله مغلولة .

{ نعمتي } اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع ، ومعناه عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل ، مما اشترك فيه معهم غيرهم ، أو اختصهم به كالمن والسلوى ، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة ، واللفظ يعم النعم جميعا .

{ بعهدي } مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل : الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوي لأنه مقصود الكلام .

{ بعهدكم } دخول الجنة .

{ وإياي } مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير ، وليفيد الحصر يفسره فارهبون ، ولا يصح أن يعمل فيه فارهبون ؛ لأنه قد أخذ معموله ، وكذلك { إياي فاتقون } .