الفتيل : ما يكون على نواة التمر مثل الخيط .
ألا تعجب يا محمد ، من هؤلاء الذين يُثنون على أنفسهم ويقولون : نحن أبناء الله وأحبّاؤه ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً ! هذا ويضيف اليهود : إن ذنوبنا التي نعملها بالنهار تكفَّر عنَّا بالليل ، وما أَشبه ذلك من الافتراء على الله . والحق أن الله وحده هو الذي يعلم الخبيث من الطيّب ، فيزكْي من يشاء من عباده ، لا اليهود ولا النصارى .
الأولى : قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود . واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم ، فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وقولهم : " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب . وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة ؛ لأنهم لا ذنوب عليهم . وهذا يبعد من مقصد الآية . وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا . وقال عبدالله بن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض . وهذا أحسن ما قيل ، فإنه الظاهر من معنى الآية ، والتزكية : التطهير والتبرية{[4550]} من الذنوب .
الثانية : هذه الآية وقوله تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم{[4551]} " [ النجم : 32 ] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه ، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له . وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : ( سموها زينب ) . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ، كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك ، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها{[4552]} فصارت لا تفيد شيئا .
الثالثة : فأما تزكية الغير ومدحه له ، ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر ، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك ) . وفي الحديث الآخر ( قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه . وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم ، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ، فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح ، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه . وهذا راجع إلى النيات " والله يعلم المفسد من المصلح " . وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب ، ولا أمر بذلك . كقول أبي طالب :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمالُ اليتامى عصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسان له في شعرهما ، ومدحه كعب بن زهير ، ومدح هو أيضا أصحابه فقال : ( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي ، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا . وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : " ولا يظلمون فتيلا " الضمير في " يظلمون " عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل . وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية . والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة ، قال ابن عباس وعطاء ومجاهد . وقيل : القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة . وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي : هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما ؛ فهو فعيل بمعنى مفعول . وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره ، وأن الله لا يظلمه شيئا . ومثل هذا في التحقير قوله تعالى : " ولا يظلمون نقيرا{[4553]} " [ النساء : 124 ] وهو النكتة التي في ظهر النواة ، ومنه تنبت النخلة ، وسيأتي . قال الشاعر يذم بعض الملوك :
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ) . المراد من ذلك اليهود فهم الذين كانوا يزكون أنفسهم . لكن نوع التزكية لأنفسهم كان موضع خلاف المفسرين . فقد قيل أنهم زكّوا أنفسهم بقولهم : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وقيل بقولهم : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وقيل : قولهم نحن كالأطفال في عدم الذنوب . فما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل . وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار . فهذا الذي زكوا به أنفسهم . وأحسن ما قيل في ذلك هو ثناء بعضهم على بعض فيكيلون لأنفسهم أو لبعضهم بعضا أفرادا وجماعات كل معاني الإطراء والثناء{[772]} .
والتزكية هي التطهير . ويتم ذلك بامتداح النفس أو الغير بما ينفي عنه النقائص والعيوب والذنوب{[773]} .
ومع أن الآية نزلت في اليهود لتبرأتهم أنفسهم من العيوب ولتظاهرهم بالإخلاص والقرب من الله وأنهم متميزون عن غيرهم بمحبة الله لهم وأن ذنوبهم مغفورة- فإنه مع ذلك كله تفيد الآية النهي عن تزكية الإنسان نفسه . وقد جاء في ذلك قوله سبحانه : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) ولا يزكي أحد نفسه إلا من كان من أهل الرعونة والخيلاء وذلك خلق ذميم يجلب سخط الله ويبطل الأعمال لتكون هباء منثورا .
ومن جهة أخرى فإن الآية توجب ألا يمدح أحد غيره . فإن كان ذلك حال غياب الممدوح محظورا فلا جرم أنه حال شهوده أشد سوءا ونكرا وفي صحيح مسلم عن المقداد قال ( ص ) : " أن أحثوا في وجوه المدّاحين التراب " وفي الصحيحين عن عبد الرحمان بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ( ص ) سمع رجلا يثني على رجل فقال : " ويحك قطعت عنق صاحبك " ثم قال : " إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا " . وأخرج الإمام أحمد عن معاوية أن النبي ( ص ) كان يقول : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإن هذا المال حلو خضر ، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه ، وإياكم والتمادح فإنه الذبح " . ولعل من الأنسب أن يتكيف الحكم بحسب الممدوح على أن تكون التزكية قائمة على الحق والصدق . أما إن كانت التزكية لا أساس لها من الحق والصدق فذلك حرام ومحظور . وعلى هذا فإن امتداح المرء بما فيه من حميد الخصال جائز ان كان الممدوح متين العزيمة والإيمان لا يزيده الثناء والإطراء إلا حبا في الخير وفعله . فهو إذا أطري بما هو أهله ازداد بذلا وعطاء وكان في ذلك ما يشجّع الآخرين على فعل الخير ويحرّضهم على الأفعال النافعة السديدة والإكثار من بذل الخير . لا جرم أن ذلك مرده إلى النوايا . فإن قصد إطراءه بما هو أهله تحريضا له على الإكثار من البر جاز{[774]} . ( والله يعلم المفسد من المصلح ) .
قوله : ( بل الله يزكي من يشاء ) الله جلّت قدرته أعلم بالمتقين المتزكّين ذوي النوايا السليمة والأخلاق الكريمة الحميدة . فإن المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل فهو أعلم بخفايا الأسرار وحقائق الأمور .
قوله : ( ولا يظلمون فتيلا ) الفتيل هو الخيط الذي يكون في شق نواة التمرة .
وقيل : الفتيل هو ما يتكون من أوساخ مفتولة بين الكفين إذا تفاركا بشدّة{[775]} .