النكال : العقاب ، أو العبرة ، { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } [ البقرة : 66 ] .
بعد أن بيّن سبحانه عقاب الذين «يحاربون الله ورسوله » ، وأمر بتقوى الله ، وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله ، ذكّرنا بعقاب اللصوص السارقين . وقد جمع في هذه الآيات الكريمة بين الوازع الداخلي وهو الإيمان والصلاح ، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال .
يا ولاة الأمور ، اقطعوا يد من يسرق مِن الكف إلى الرسغ . وذلك لأن السرقة تحصل بالكف مباشرة . وتُقطع اليد اليمنى أولاً لأن التناول يكون بها في الغالب .
والسرقة هي أخذُ مال الغير المحرَزِ خفيةً ، فلا بد أن يكون المسروق مالاً مقوَّما . والمبلغ المتفق بينَ فقهاء المسلمين على عقوبة سرقته هو ربعُ دينار . ولا بد أن يكون هذا المالُ محفوظاً في دار أو مخزن وأن يأخذه السارق من هناك . فلا قطع مثلاً على المؤتمن على مالٍ إذا سرقه أو أنكره . وكذلك الخادم المأذون له بدخول البيت لا يُقطع فيما يسرق . ولا على المستعير إذا جَحَد العارية . ولا على سارق الثمار في الحقل . ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته .
ولا قطْع حين يسرق الشريكُ من مال شريكه ، ولا على الذي يسرق من بيت مال المسلمين . وعقوبة هؤلاء هي التعزير أو الحبس أو ما يراه القاضي .
والشُبهة تَدرأ الحدَّ ، فشبهة الجوع والحاجة تدرأه ، وشبهة الشركة في المال تدرأه ، ورجوع المعترف وتوبته تدرأ . وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام «إدرأوا الحُدودَ بالشُبُهات » وفي ذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب : «لأَنْ أَعطِّلَ الحدودَ بالشُبهاتِ أحبُّ إليَّ من أن أقيمَها بالشُبُهات » .
والعقوبة هنا على السرقة الصريحة ، أمّا السرقة الضمنية ، كالالتواء في التجارة وسرقة أقوات الشعب بتهريب الأموال إلى خارج دار الإسلام ، فلها أحكام أخرى .
والإسلام يكفل حق كل فرد في الحصول على ضرورات الحياة ، فمن حق كل فرد ( حتى غير المسلم ) الحصولُ على ضرورات الحياة ، أن يأكل ويشرب ويلبس ويكون له بيت يؤويه ، وأن يوفَّر له العمل ما دام قادراً . فإذا تعطَّل لعدم وجود العمل ، أو لعدم قدرته على العمل ، فله الحق بأن تؤمِّن له الدولة الضروري من العيش . فإذا سرق وهو مكفيّ الحاجة ، فإنه لا يُعذر ، ولا ينبغي لأحد أن يرأف به .
فأما حين توجد شُبهة من حاجة أو غيرها ، فالمبدأ العام في الإسلام هو درءُ الحدود بالشُبهات . ولذلك لم يوجِب سيدنا عمر القطعَ في عام الرّمادَة حيث عمَتِ المجاعة . كذلك لم يقطع عندما سرق غلمانُ حاطبٍ بن أَبي بلتعة ناقةً رجل من مزينة ثم تبين للخليفة أن سيِّدهم يتركهم جياعاً .
هكذا يجب أن نفهم الحدودَ في الإسلام : يضع الضمانات للجميع ، ويتخذ أسباب الوقاية قبل العقوبة .
{ والله عزيز حكيم } عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي ، حكيم في وضعه الحدود والعقوبات بما تقتضي المصلحة .
قال الأصمعي : كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأ هذه الآية فقلت «والله غفور رحيم » سهواً . فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله . قال : أعِد ، فأعدت . ثم تنبّهت فقلت «والله عزيز حيكم » . فقال : الآن أصبت ، فقلت : كيف عرفت ؟ قال : يا هذا «عزيز حكيم » فأمَرَ بالقطع ، ولو غفر ورحم لما أمر به . فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة غير مقتضى المغفرة والرحمة .
الأولى : قوله تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " الآية . لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير جراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب ، وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب . وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الإسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبدالأسد من بن مخزوم ، وقطع أبو بكر يد اليمني{[5538]} الذي سرق العقد ، وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبدالرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه . وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك ؛ لقوله عليه السلام ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) فبين انه إنما أراد بقوله : " والسارق والسارقة " بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ، أو فيما قيمته ربع دينار ، وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم ، وبه قال عمر بن عبدالعزيز والليث والشافعي وأبو ثور ؛ وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم ، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما . والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر ، فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه ، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور . وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهب فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو ما صار إليه مال في القول الآخر ، والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق حجفة{[5539]} ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم . والشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه ، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم ، وابن عباس يقول : عشرة دراهم ، وأنس يقول : خمسة دراهم ، وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه ، ورفعه{[5540]} من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته ، قاله أبو عمر وغيره . وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه ، وهو قول إسحاق . فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب ، وما أصح ما قيل فيه . وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا ، ولا يقطع حتى خرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قُوِّم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم . ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم . أخرجهما الدارقطني وغيره . وفي المسألة قول رابع ، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس ، وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر - رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم . وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا ، روي عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدري . وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه . قاله عثمان البتي . وذكر الطبري أن عبدالله بن الزبير قطع في درهم . وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، هذا قول الخوارج ، وروي عن الحسن البصري ، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه ، والثانية كما روي عن عمر ، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد ؟ فاتفق رأينا على درهمين . وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك ، فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير{[5541]} ، فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص{[5542]} قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) . وقيل : إن ذلك مجاز من وجه آخر ، وذلك أنه إذا رضى بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده . وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال : كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم . قلت : كحبال السفينة وشبه ذلك . والله أعلم .
الثانية : اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع . وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا جمع الثياب في البيت . وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار اتفاقا صحيحا . والحمد لله .
الثالثة : الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه . قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم ، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم . وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز . وفي الموطأ لمالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قطع في ثمر معلق{[5543]} ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين ، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ) قال أبو عمر : هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره ، وعبدالله هذا ثقة عند الجميع ، وكان أحمد يثني عليه . وعن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة{[5544]} فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) وفي رواية . ( وجلدات نكال ) بدل ( والعقوبة ) . قال العلماء : ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع . قال أبو عمر : قول ( غرامة مثليه ) منسوخ لا أعلم أحد من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة ، خرجه مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل . والذي عليه الناس في الغرم بالمثل ؛ لقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم{[5545]} " [ البقرة : 194 ] . وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة{[5546]} لي ثمن ثلاثين درهما ، فجاء رجل فاختلسها مني ، فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع ، قال : فأتيته فقلت أتقطع من أجل ثلاثين درهما ؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها ، قال : ( فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به ) ؟ . ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا ، وبقيت الأطماع متعلقة بها ، والآمال محومة عليها ؛ فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق ، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم ، فإذا أحرزها مالك فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان ، فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة ، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب .
الرابعة : فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه ، فلا يخلو ، إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه ، أولا إلا بتعاونهم ، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين : أحدهما يقطع فيه ، والثاني لا يقطع فيه . وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، قالا : لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب ، لقوله صلى الله عليه وسلم{[5547]} : ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم . ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل . قال ابن العربي : وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء ؛ لئلا يتعاون على سفكها الأعداء ، فكذلك في الأموال مثله ، لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما . وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء . ذكره ابن العربي .
الخامسة : فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر ، فإن كانا متعاونين قطعا . وإن انفرد كل{[5548]} منهما بفعله دون اتفاق بينهما ، بأن يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما . وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة . وقال الشافعي : لا قطع ؛ لأن هذا نقب ولم يسرق ، والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة . وقال أبو حنيفة : إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع . ولا يشترط في الاشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة ، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة .
السادسة : ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع ، ويعاقب الأول . وقال أشهب : يقطعان . وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع لا على الآخذ ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قطعا جميعا .
السابعة : والقبر والمسجد حرز ، فيقطع النباش عند الأكثر . وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه ؛ لأنه سرق من غير حرز ما معرضا للتلف لا مالك له ؛ لأن الميت لا يملك . ومنهم من ينكر السرقة ؛ لأنه ليس فيه ساكن ، وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ، ويتحفظ من الناس ، وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر . وقال الجمهور : هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا واتقى الأعين ، وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا ما عليه ، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد ، وخلو البلد من جميعهم . وأما قولهم : إن القبر غير حرز فباطل ؛ لأن حرز كل شيء بحسب حال الممكنة فيه . وأما قولهم : إن الميت لا يملك فباطل أيضا ؛ لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز . وقد نبه الله تعالى عليه بقول : " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا " {[5549]} [ المرسلات : 25 - 26 ] ليسكن فيها حيا ، ويدفن فيها ميتا . وأما قولهم : إنه{[5550]} عرضة للتلف ، فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه ، إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني ، وقد روى أبو داود عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت{[5551]} فيه بالوصيف ) ، يعني القبر . قلت : الله ورسول أعلم قال : ( عليك بالصبر ) قال حماد : فبهذا قال من قال تقطع يد السارق ؛ لأنه دخل على الميت بيته .
وأما المسجد فمن سرق حصره قطع . رواه عيسى عن ابن القاسم ، وإن لم يكن للمسجد باب ، ورآها محرزة . وإن سرق الأبواب قطع أيضا . وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع ، وإن كان تسور عليها ليلا قطع ، وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع ، وإلا لم يقطع . قال أصبغ : يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه ، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه{[5552]} . وقال أشهب في كتاب محمد : لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه .
الثامنة : واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا ؟ فقال أبو حنيفة : لا يجتمع الغرم مع القطع بحال ؛ لأن الله سبحانه قال : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله " ولم يذكر غرما . وقال الشافعي : يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا ، وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه ، وهو قول أحمد وإسحاق . وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا : إن كانت العين قائمة ردها ، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم ، وإن كان معسرا لم يتبع دينا ولم يكن عليه شيء ، وروى مالك{[5553]} مثل ، ذلك عن الزهري ، قال الشيخ أبو إسحاق : وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا . قال : وهو قول غير واحد من علمائنا{[5554]} من أهل المدينة ، واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة ، ثم قال : وبهذا أقول . واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه ) وأسنده في كتابه . وقال بعضهم : إن الإتباع بالغرم عقوبة ، والقطع عقوبة ، ولا تجتمع عقوبتان ، وعليه عول القاضي عبدالوهاب . والصحيح قول الشافعي ومن وافقه . قال الشافعي : يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا ، قطع أو لم يقطع ، وكذلك إذا قطع الطريق . قال : ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد ، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث ( إذا كان معسرا ) فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري ، ولا حجة فيه ، رواه النسائي والدارقطني عن عبدالرحمن بن عوف . قال أبو عمر : هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة ، وقال ابن العربي : وهذا حديث باطل . وقال الطبري : القياس أن عليه غرم ما استهلك . ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك . قال أبو عمر : ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز ؛ لأن الضعيف لا يوجب حكما .
التاسعة : واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه ، فقال علماؤنا : يقطع . وقال الشافعي : لا يقطع ؛ لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز . وقال علماؤنا : حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه ، ويد السارق كلا يد ، كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع ، فإن قيل : اجعلوا حرزه بلا حرز ، قلنا : الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز .
العاشرة : واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة ، فقال الأكثر : يقطع . وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه . وعموم القرآن يوجب عليه القطع ، وهو يرد قوله . وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع ، فإنه لا يقطع ، والله تعالى يقول : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء .
الحادية عشرة : قرأ الجمهور " والسارق " بالرفع . قال سيبويه : المعنى وفيما فرض عليكم السارق والسارقة . وقيل : الرفع فيهما على الابتداء والخبر " فاقطعوا أيديهما " . وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب ، تقول : زيدا اضربه ؛ بل هو كقولك : من سرق فاقطع يده . قال الزجاج : وهذا القول هو المختار . وقرئ " والسارق " بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة ، وهو اختيار سيبويه ؛ لأن الفعل بالأمر أولى . قال سيبويه رحمه الله تعالى : الوجه في كلام العرب النصب ، كما تقول : زيدا اضربه ؛ ولكن العامة أبت إلا الرفع ، يعني عامة القراء وجلهم ، فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين . وقرأ ابن مسعود " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم " وهو يقوي قراءة الجماعة . والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من سرق سرقا بفتح الراء . قاله الجوهري . وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين ، ومنه استرق السمع ، وسارقه النظر . قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له ، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس{[5555]} ، فإن تمنع{[5556]} بما في يده فهو غاصب .
قلت : وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ) قالوا : وكيف يسرق صلاته ؟ قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها ) خرجه الموطأ وغيره ، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو{[5557]} موضع الاشتقاق ، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا .
الثانية عشرة : قوله تعالى : " فاقطعوا " القطع معناه الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه ، وفي صفته . فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف : وهي البلوغ والعقل ، وأن يكون غير مالك للمسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده ، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال ؛ لأن العبد وماله لسيده . ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه أخذ لماله ، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة{[5558]} : غلامكم سرق متاعكم . وذكر الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي ) قال : لم يرفعه غير فهد بن سليمان ، والصواب أنه{[5559]} موقوف . وذكر ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش ){[5560]} أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال ابن ماجة : وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ، أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه . وقال : ( مال اله سرق بعضه بعضا ) وجبارة بن المغلس متروك . قاله أبو زرعة الرازي . ولا قطع على صبي ولا مجنون . ويجب على الذمي والمعاهد ، والحربي إذا دخل بأمان . وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف ، وهي النصاب وقد مضى القول فيه ، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه ، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك ، وابن القاسم ، وقيل : لا قطع عليه ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ؛ لأنه ليس بمال . وقال علماؤنا : هو من أعظم المال ، ولم يقطع السارق في المال لعينه . وإنما قطع لتعلق النفوس به ، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد . وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا ، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب . قال ابن القاسم : ولا يقطع سارق الكلب ، وقال أشهب : ذلك في المنهي عن اتخاذه ، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه . قال : ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم . وقال ابن حبيب قال أصبغ : إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع ، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع . وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه ، فصنع منه ما لا يجوز استعمال كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر ، فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع . وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة . وكذلك الصليب من ذهب أو فضة ، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه . الوصف الثالث : ألا يكون للسارق في ملك ، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره ، ولا شبهة ملك ، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال ؛ لأن له فيه نصيبا . وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سرق مغفرا{[5561]} من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب . وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال . وقيل : يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية{[5562]} السرقة . وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير ؛ لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه . لا يقطع فيه . وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق . وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت جرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا ، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين ، والسارق لا يستحق فيه شيئا ، وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية ، ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس ، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم ، ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه . وكذلك المغانم لا تخلو : أن تتعين بالقسمة ، فهو ما ذكرناه في بيت المال ، وتتعين بنفس التناول لمن شهد الواقعة ، فيجب أن براعي قدر ما سرق ، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع{[5563]} .
الرابعة عشرة : وظهور الدواب حرز لما حملت ، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت ، كان معه أهله أم لا ، سرقت بليل أو نهار . وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة ، والدواب على مرابطها محرزة ، كان معها أهلها أم لا ، فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ ، ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها . والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة ، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة ، وإن كان صاحبها ربط في موضع وأرساها فيه فربطها جرز ، وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة ، كالدابة بباب المسجد معها حافظ ، إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان صاحبها معها أم لا .
الخامسة عشرة : ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة ، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار شيئا وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار .
ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار ؛ لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء ، إلا أن تكون دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع .
السادسة عشرة : ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما ؛ لقوله عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) . ويقطع في سرقة مالهما ؛ لأنه لا شبهة له فيه . وقيل : لا يقطع ، وهو قول ابن وهب وأشهب ؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة ، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فأن لا يقطع ابنه في ماله أولى . واختلفوا في الجد ، فقال مالك وابن القاسم : لا يقطع . وقال أشهب : يقطع . وقول مالك أصح لأنه أب ، قال مالك : أحب إلى ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة . قال ابن القاسم وأشهب : ويقطع من سواهما من القرابات . قال ابن القاسم : ولا يقطع من سرق من جوع أصابه . وقال أبو حنيفة : لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم ، وهو قول الثوري . وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يقطع من سرق من هؤلاء . وقال أبو ثور : يقع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد ، إلا أن يجمعوا على سيئ فيسلم للإجماع . والله أعلم{[5564]} .
السابعة عشرة : واختلفوا في سارق المصحف ، فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد ، وبه قال ابن القاسم . وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا . قال ابن المنذر : يقطع سارق المصحف . واختلفوا في الطرار{[5565]} يطر النفقة من الكم ، فقالت طائفة : يقطع من طر من داخل الكم أو من خارج ، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب . قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع ، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع . وقال الحسن : يقطع . قال ابن المنذر : يقطع على أي جهة طر .
الثامنة عشرة : واختلفوا في قطع اليد في السفر ، وإقامة الحدود في أرض الحرب ، فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام . وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع . وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره ، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره . استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطأة في البحر ، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية{[5566]} ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقطع الأيدي في الغزو{[5567]} ) ولولا ذلك لقطعته . بسر هذا يقال{[5568]} ولد في زمن النبي صلى الله عليه . وسلم ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه ، وهو الذي ذبح طفلين{[5569]} لعبدالله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها ، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله ، فكان كذلك . قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطأة رجل سوء . استدل من قال بالقطع بالقطع بعموم القرآن ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك . والله أعلم .
التاسعة عشرة : فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع . فقال الكافة : تقطع من الرسغ والرجل من المفصل ، ويحسم الساق إذا قطع . وقال بعضهم : يقطع إلى المرفق . وقيل : إلى المنكب ؛ لأن اسم اليد يتناول ذلك . وقال علي رضي الله عنه : تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العقب{[5570]} ؛ وبه قال أحمد وأبو ثور . قال ابن المنذر : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال : ( احسموها ) وفي إسناده مقال ، واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما ، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف .
الموفية عشرين : لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولا ، ثم اختلفوا إن سرق ثانية ، فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ، ثم في الثالثة يده اليسرى ، ثم في الرابعة رجله اليمنى ، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس . وقال أبو مصعب من علمائنا : يقتل بعد الرابعة ، واحتج بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال : ( اقتلوه ) فقالوا : يا رسول الله ، إنما سرق ، قال : ( اقتلوه ){[5571]} ، قالوا : يا رسول إنما سرق ، قال : ( اقطعوا يده ) ، قال : ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق أيضا الخامسة{[5572]} ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال : ( اقتلوه ) ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه ، منهم عبدالله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال : أمروني عليكم فأمروه عليهم ، فكان إذا ضرب ضرب حتى قتلوه . وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال : ( اقتلوه ) . قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه ، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة . رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال : هذا حديث منكر وأحد رواته{[5573]} ليس بالقوي . ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا . قال ابن المنذر : ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما{[5574]} أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل . وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها ، ثم إذا عاد عزر وحبس ، وروي عن علي بن أبي طالب ، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل . قال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل . وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع : ذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه .
الحادية والعشرون : واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره ، فقال قتادة : قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه ، وبه قال مالك : إذا أخطأ القاطع فقطع شماله ، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا . وقال أبو ثور : على الحزاز{[5575]} الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع{[5576]} . قال ابن المنذر : ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين : إما أن يكون القاطع عمد ذلك فعليه القود ، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع ، وقطع يمين السارق يجب ، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطئ . وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع ، قال : تقطع يمينه أيضا . قال ابن المنذر : وهذا صحيح . وقالت طائفة : تقطع يمينه إذا برئ ، وذلك أنه هو أتلف يساره ، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي ، وقياس قول الشافعي . وتقطع يمينه إذا برئت . وقال قتادة والشعبي : لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه .
الثانية والعشرون : وتعلق يد السارق في عنقه ، قال عبدالله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو ؟ فقال : جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ، أخرجه الترمذي - وقال : حديث حسن غريب - وأبو داود والنسائي .
الثالثة والعشرون : إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا . فقال مالك : يقتل ويدخل القطع فيه . وقال الشافعي : يقطع ويقتل{[5577]} ؛ لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه ، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وهو اختيار ابن العربي .
الرابعة والعشرون : قوله تعالى : " أيديهما " لما قال " أيديهما " ولم يقل يديهما تكلم علماء اللسان{[5578]} في ذلك - قال ابن العربي : وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم{[5579]} - فقال الخليل بن أحمد والفراء : كل شيء يوجد من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول : هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما ، و " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما{[5580]} " [ التحريم : 4 ] ، ولهذا قال : " اقطعوا أيديهما " ولم يقل يدهما . والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا . ويجوز في اللغة ، فاقطعوا يديهما وهو الأصل ، وقد قال الشاعر{[5581]} فجمع بين اللغتين :
ومهمهمين قَذَفَيْن مَرْتَيْن *** ظهراهما مثل ظهور الترسين
وقيل : فعل هذا لأنه لا يشكل . وقال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية ، وحكي عن العرب ؛ وضعا رحالهما . ويريد به{[5582]} رحلي راحلتيهما . قال ابن العربي : وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك ، بل تقطع الأيدي والأرجل ، فيعود قول " أيديهما " {[5583]} إلى أربعة وهي جمع في الاثنين ، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته ، ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها ؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة ، وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى .
الخامسة والعشرون : قوله تعالى : " جزاء بما كسبا " مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا وكذا " نكالا من الله " يقال : نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ذلك الفعل " والله عزيز " لا يغالب " حكيم " فيما يفعله ؛ وقد تقدم .
قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ( 38 ) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ( 39 ) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير } تتضمن هذه الآية أحكام السرقة كثيرة ومستفيضة يمكن الوقوف عليها في مظانه من كتب الفقه .
على أن عقوبة السارق بقطع يده صارمة يراد منها الحيلولة بين المجتمع وأسباب الفساد والتخريب والفوضى التي يقترفها فريق فاسد من الخائنين أولي الهمم الخاوية والطباع المريضة . ونعرض هنا للحملة المسعورة الحمقاء التي يثيرها خصوم الإسلام من صليبيين واستعماريين وصهيونيين وشيوعيين ووثنيين وأتباعهم من المقلدين الناعقين . لقد أثار هؤلاء الظالمون ضجة لاهثة هوجاء من التجني على الإسلام من أجل هذه العقوبة التي فرضها الإسلام لدرء الشر والأذى عن المجتمع . أثاروا حملة مجنونة كاذبة من الدعايات الظالمة لتشويه الإسلام ولتنفير الناس من الإقبال على هذا الدين الكريم العظيم . لا جرم أنها دعايات مصطنعة ومفتراة لا تحتمل الثبات أو التماسك عند النظر والتبصر ولدى المناقشة في تعقل وروية . إن ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات وتخريص حول هذا الدين لا يساوي في ميزان الحقيقة إلا ما تزنه الفقاقيع من ذرات البصاق المتطاير في الأفق عقيب الكلام الملفق الفاضح . الكلام الذي تجترحه حناجر الخراصين الدجاجلة من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان .
لقد حسب هؤلاء الحاقدون الجهلة أن أيدي الناس سوف تقطع بالجملة لو عمل المسلمون بشريعة الإسلام . أو ظنوا أن مئات أو آلافا من الناس سوف يساقون في طوابير لتقطع أيديهم إذا ما طبق الإسلام ، لا جرم أن هذا بهتان مبين . بل إنه تصور ضال وجهول يراود هؤلاء الفارغين الذين لا يفهمون عن حقيقة الإسلام إلا ما يعيه الأطفال الرضع عن حقيقة الكون والحياة !
إن عقوبة السرقة بالقطع لا يفرضها الإسلام إلا ضمن ضوابط وشروط . وتلكم هي الشروط نذكرها باقتضاب وإيجاز .
الشرط الأول : التكليف . أي أن يكون السارق مكلفا . والتكليف يناط هنا بالعقل والبلوغ والاختيار . أما البلوغ فهو سن الاحتلام عند الذكور ، والمحيض لدى النساء .
أما الاختيار فهو كون السارق غير مكره . فإن أكره على السرقة فلا حد عليه ، وذلك للخبر " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ويستدل لدرء الحد عن السارق إن كان غير بالغ ولا عاقل بالحديث " رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق " .
الشرط الثاني : أن يكون المسروق مالا متقوما . وبذلك لو سرق خمرا أو خنزيرا أو كلبا أو جلد ميتة فلا تقطع يده . وكذلك لو سرق صنما أو أداة الملاهي لا حد عليه . يستوي في ذلك ما لو كان المسروق منه مسلما أو كتابيا من أهل الذمة{[948]} .
الشرط الثالث : أن يكون المسروق بالغا نصابا . ومقدارا موضع خلاف بين العلماء . فقد ذهب الجمهور وفيهم المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية وآخرون أن نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، فإن كان دون ذلك فليس نصابا ولا يجب فيه الحد . واحتجوا بجملة أخبار ، منها ما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " .
وذهبت الحنفية إلى أن نصاب السرقة الموجب للقطع هو دينار أو عشرة دراهم فإن كان دون ذلك فلا حد على السارق{[949]} واستدلوا لذلك بجملة أحاديث منها ما رواه النسائي عن أيمن قال : " لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمن المجن يومئذ دينار " .
الشرط الرابع : كون المسروق محرزا . أي أن يأخذه السارق من داخل الحرز . وهو الموضع المكين الحصين الذي يوجد فيه المال عند سرقته . نقول حرز حريز للتأكيد ، مثلما يقال حصن حصين . ونقول احترز من كذا . أي تحفظ منه{[950]} .
على أن شرط الإحراز عظيم الأهمية للغاية . ذلك أن المال المحرز محفوظ في مكانه المناسب المحصن بما لا يستطيع معه السارقون ومرضى النفوس أن ينفذوا إليه .
فإنهم يعوزهم الاقتدار على أخذه ما دام مخبوءا في موضعه الحصين . وذلك بخلاف غير المحرز فإنه مال في حكم المسيب الذي يصير عرضه لسطو اللصوص . بل إن كونه مسيبا وغير محرز فيه من الإغواء للسارقين ما يثيرهم ويغريهم بالنفاذ إليه لأخذه . وبذلك فإن صاحب المال غير المحرز ملوم لتقصيره وتفريطه إذ جعل ماله عرضة للسرقة . ومن بالغ العدل المطلق في شريعة الإسلام أن يكون لسارق المال من غير حرز بعض العذر ليندرئ عنه الحد .
وذلك بخلاف المال الذي يكون في حرز حصين مكين فإنه يصير بعيد المنال عن السارقين واللصوص لاستحالة بلوغه أو صعوبة الحصول عليه إلا بتحطيم الحرز وإتلافه .
فهو – في هذه الحال – لا ينفذ إليه إلا من كان حاذقا بارعا في الخيانة واللصوصية . أو كان على غاية من الاجتراء المتوقح الذي يستوجب العقاب الصارم وهو القطع .
واشتراط الحرز لوجوب القطع قال به عامة أهل العلم خلافا لأهل الظاهر وآخرين : إذا احتجوا بظاهر آية السرقة على وجوب القطع في كل سرقة كيفما كانت ومهما كان حجمها ، محرزة وغير محرزة . والصحيح الأول وهو اعتبار الحرز لإيقاع الحد{[951]} ويستدل على ذلك بما أخرجه البيهقي عن عثمان بن عفان قوله : " ليس على سارق قطع حتى يخرج المتاع من البيت " وكذلك روى البيهقي عن ابن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة{[952]} جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " والتفصيل بأكثر من ذلك في مسألة الحرز يطلب من مظانه في كتب الفقه .
الشرط الخامس : أن تكون ثمة دعوى أو خصومة يقيمها صاحب المال المسروق ليطالب الحاكم أو القاضي بتضمين المتهم بالسرقة . فإذا ما استبان للحاكم اقتراف السرقة تماما وبشروطها المعروفة أقام الحد على السارق . وبذلك لو اعترف الجاني بالسرقة أو قامت عليه بينة بحصول السرقة منه فلا يقطع ، إلا أن يأتي صاحب المال يباح بالبذل والإباحة . ومن المحتمل أن صاحب المال قد أباحه لآخذه وهو المتهم بالسرقة . أو أن يكون وقفه على المسلمين وهو واحد منهم أو أنه أذن له في دخول حرزه . ومثل هاتيك الاحتمالات تفضي إلى تحصيل الشبهة التي يدرأ بها الحد .
وبذلك لا يقام الحد على السارق إلا عقب المطالبة من صاحب المال{[953]} .
الشرط السادس : انعدام الشبهة . والشبهة في اللغة من الاشتباه وهو الالتباس . نقول تشابها واشتبها أي أشبه كل واحد منهما الآخر فالتبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة أي مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه . فالشبهة تعني الالتباس{[954]} .
والشبهة في الحدود ما كان من انخرام أو نقص في شروط الجناية الموجبة للحد بما يجعل هذه الجناية لا تكافئ العقوبة المقدرة في الشرع .
وهنا السرقة ، فأيما انخرام أو نقص في شروطها يجعله الشرع شبهة تهبط بمستوى السرقة لتكون دون الجناية الموجبة للقطع . ذلك أن القصور في درجة الجناية قمين بدفع الحد كيلا يقع على الجاني ، لأن جنايته بحصول الشبهة كانت دون الجناية الكاملة المكافئة لعقوبة القطع .
وجدير ذكره هنا أن الإسلام قد حرض تحريضا على التماس الشبهات لدرء الحدود عن الجناة ما أمكن . والتصور الإسلامي في ذلك أن الخطأ في إيقاف العقوبة خير من إيقاع العقوبة ظلما عند حصول الشبهة .
فقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .
وأخرج الإمام أبو حنيفة في مسنده عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " .
وروي عن عمر رضي الله عنه قوله : " لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " {[955]} .
وثمة أمثلة تطبيقية يتبين منها أن الشبهة تدرأ حد السرقة عن السارق الذي لم تكتمل جنايته . وهي أمثلة منتشرة وكثيرة :
منها : لو اجتاحت الناس مجاعة مضنية تلين فيها العزائم ، وتسترخي بسببها الهمم فتجنح أنفس كثيرة قد عضها الطوى – للسرقة من أموال الناس . فلا مساغ للحاكم في مثل هذه الحال أن يقيم الحد على السارقين لما يحل بساحتهم من شبهة الجوع المضني . يقول الله جل وعلا في عموم ذلك : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } .
وكان عمر بن الخطاب يقول : " لا قطع في عام المجاعة والسنة " وذلك في عام الرمادة إذ حل بالمسلمين الجدب والقحط فقضهم الجوع قضا حتى إن بعضهم قد سرق لفرط الجوع فلم يقم عليهم عمر الحد . وذلك ما لا خلاف فيه{[956]} .
ومنها : لو سرق ضيف من مضيفه . فإنه ينظر ، إن كان سرق منه من غير حرز فلا قطع عليه ، لأنه مأذون له بالدخول . ونفس الإذن يجعله الشرع شبهة تدرأ الحد . لكنه إذا سرق من حرز في داخل الدار وجب قطعه ، لأنه غير مأذون له بالدخول في الحرز . وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة . بخلاف الإمام مالك فلا يجب عنده القطع حتى لو كسر الحرز وسرق منه المتاع ، لأنه مأذون له بدخول الدار . ومجرد الإذن بدخول الدار شبهة تمنع الحد{[957]} .
ومنها : لو سرق من أصله وإن علا ، أو من فرعه وإن نزل – كأن يسرق من أبيه أو جده ، أو يسرق من ولده أو ولد ولده ، فلا حد عليه . وهو قول الجمهور من العلماء ، وفيهم الحنفية والشافعية والحنابلة . أما المالكية فقالوا بعدم قطع الأصل بسرقة الفرع ، لكن الفرع إذا سرق من مال الأصل وجب قطعه وهو قول الشيعة الإمامية وابن المنذر وأبي ثور{[958]} .
على أن إجماعهم على عدم قطع الأب بسرقة ولده يؤيده ما رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أباه فقال : يا رسول الله ! إن هذا قد اجتاح مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك لأبيك " .
وأخرج ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " .
أما عدم قطع الابن بسرقة مال أبيه ، فوجهه أن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له من التلف فلا يجوز إتلافه حفظا للمال .
ومنها : لو نقب أحد السارقين وحده بيتا ، ثم دخل الآخر البيت وحده ، فأخرج من المتاع المسروق فلا قطع على الاثنين ، لأن الأول الذي نقب البيت لم يسرق بل نقب الحرز ( البيت ) فقط . أما الثاني فلم يهتك الحرز ( البيت ) بل سرق من حرز مهتوك هتكه غيره . فهو كما لو نقب رجلا بيتا ولم يدخله وذهب ثم جاء آخر فوجد البيت مهتوكا . فسرق منه فلا قطع على واحد منهما{[959]} .
ومنها : لو دخل حرزا وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله ثم مسك قبل أن يخرج من الحرز فلا قطع عليه . ولو رمى المتاع خارج الحرز ثم مسك قبل أن يخرج منه فلا قطع عليه أيضا ، لأن يده لم تثبت على المأخوذ في الحالتين . فلا الأخذ لا يتم بإخراج المسروق من الحرز . وهو قول الحنفية{[960]} .
ومنها : لو سرق نقودا من بيوت غير حريزة كما لو كانت غير مغلقة تماما وليس عندها حارس يحرسها فلا قطع .
ومنها : لو سرق من بيت في غير العمران ، كأن يكون ذلك في البر أو الصحراء أو سرق من البساتين وليس فيها حافظ يحرسها فلا قطع ، لأن المال في مثل هذه الأمكنة لا يكون محرزا بغير حافظ مستيقظ{[961]} .
إلى غير ذلك من الشبهات التي لا تقبل الحصر والتي تحول دون تنفيذ القطع وبذلك لا يتحقق القطع إلا في حق فريق من اللصوص المجاهرين بالسرقة في وقاحة مكشوفة واجتراء لئيم مفضوح . أولئك فريق من المجرمين الأشرار يقتحمون بيوت الناس وأماكنهم فيهتكون أستارها هتكا لسرقة أموالهم في مجاهرة خسيسة ظالمة . لا جرم أنهم قلة وهم مفسدون أشقياء لا يستحقون غير العقاب الصارم وهو القطع . فلا يحسبن أحد من الجاهلين أن تطبيق الشريعة مدعاة لقطع كثير من الأيدي . إن هذا الزعم ليس إلا الوهم الغليظ يغشى الأذهان المتربصين والمتعصبين الحانقين الذين يكرهون الإسلام .
إن تنفيذ هذا الحد قليلا ما يتحقق لشدة الضوابط التي قررتها الشريعة في ذلك . وهي ضوابط لا يتجاوزها من السارقين المستحقين للقطع- إلا القليل .
قوله : { جزاء بما كسبا } جزاء ، مفعول لأجله منصوب . أي اقطعوا أيديهما للجزاء وقيل : منصوب على المصدر لاقطعوا . وبما كسبا ، أي بسبب كسبهما أو ما كسباه من السرقة .
قوله : { نكالا من الله } مفعول لأجله أيضا . أو منصوب على المصدر كالقول في { الجزاء } فيكون تقدير الكلام : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . والنكال اسم . نكل به تنكيلا ، أي صنع به صنيعا يحذر غيره . ونكل به نكلة أي أصابه بنازلة . ونكل به التشديد للمبالغة{[962]} .
قوله : { والله عزيز حكيم } أي أن الله قوي في انتقامه من السارقين وهو سبحانه لا يغالب في كيده لهم والانتقام منهم بما أوجبه عليهم من حد ، وهو كذلك حكيم فيما فرضه على السارقين والعصاة من حدود{[963]} .