تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

وهذه محنة يوسف الثانية : لقد افتتنت امرأة العزيز بجماله ، فأَشعل ذلك في نفسها جذوة الحب ، فراودته عن نفسه ، فأبى ، وحاولت إغراءه بشتّى الطرق ، حتى همت بمخالطته ، ومال إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ، ولكنه رأى في سريرة نفسه ما جعلته يمتنع عن المعصية والخيانة ، وثبت على طُهره وعفافه . بذلك صرف الله عنه سوء الخيانة والمعصية وظل هو من عباد الله الذين أخلصوا دينهم له .

قراءات :

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب : «المخلصين » بكسر اللام والباقون : «المخلَصين » بفتح اللام كما هو في المصحف .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

{ 23 - 29 } { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ }

هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته ، وصبره عليها أعظم أجرا ، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة ، لوقوع الفعل ، فقدم محبة الله عليها ، وأما محنته بإخوته ، فصبره صبر اضطرار ، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها ، طائعا أو كارها ، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت العزيز ، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك ، أن { رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } أي : هو غلامها ، وتحت تدبيرها ، والمسكن واحد ، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد ، ولا إحساس بشر .

{ وَ } زادت المصيبة ، بأن { غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } وصار المحل خاليا ، وهما آمنان من دخول أحد عليهما ، بسبب تغليق الأبواب ، وقد دعته إلى نفسها { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي : افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ ، ومع هذا فهو غريب ، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه ، وهو أسير تحت يدها ، وهي سيدته ، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك ، وهو شاب عزب ، وقد توعدته ، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن ، أو العذاب الأليم .

فصبر عن معصية الله ، مع وجود الداعي القوي فيه ، لأنه قد هم فيها هما تركه لله ، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء ، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان ، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف ، عن هذه المعصية الكبيرة ، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ } أي : أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح ، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه ، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي .

فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة ، وهذا من أعظم الظلم ، والظالم لا يفلح ، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله ، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه ، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه ، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه ، يقتضي منه امتثال الأوامر ، واجتناب الزواجر ، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء ، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم ، الذين أخلصهم الله واختارهم ، واختصهم لنفسه ، وأسدى عليهم من النعم ، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } { هيت } من الهم وهو العزيمة . هم يهم ؛ أي عزم يعزم{[2225]} . هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه . والمراد بالهم من يوسف : ما كان في دخيلته من خطوات القلب أو حديث النفس مع الامتناع . فما كان منه غير حديث نفس من غير فعل . ولا يؤاخذ العبد على ما يخطر بباله أو يحدث به نفسه . لكن امرأة العزيز عزمت على المواقعة وابتغتها لنفسها من يوسف ؛ فهي بذلك قد همت بالمعصية وكانت مصرة على فعلها . وهم يوسف بميل الطبع ومنازعة الشهوة ولم يقصد الفعل ؛ لأنه الله قد أراه برهانا فامتنع عن العزم أو الفعل ، وهذا تأويل قوله : { لولا أن رءا برهان ربه } { لولا } أداة امتناع لوجود . والمصدر من { أن رءا } في موضع رفع مبتدأ . وخبر المبتدأ وهو هنا جواب لولا : محذوف ، والتقدير : لولا رؤية برهان ربه لخالطها ، أو لفعل ما هم به . وذلك كقوله : هممت بقتله لولا أني خفت الله . أو لولا أني خفت الله لقتله{[2226]} .

وعلى هذا خلاف في أن الهم من امرأة العزيز كان فعل المعصية . أما الهم من يوسف فهو موضع خلاف بين العلماء . والظاهر أنه هم بها لكنه لما رأى البرهان من الله لم يهم ؛ وذلك لوجوب العصمة في حق الأنبياء . وبذلك يكون في الكلام تقديم وتأخير . والتقدير : لولا أن رأى يوسف برهان ربه لكان قد هم بها . فهمت هي بالمعصية أما هو فقد هم ولم يواقع ما هم به بسبب البرهان الذي رآه .

قوله : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء } الكاف في اسم الإشارة في موضع نصب صفة لمصدر محذوف ، والتقدير : أريناه البرهان رؤية مثل ذلك . وقيل : في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : الأمر مثل ذلك . والمراد بالسوء : خيانة زوجها العزيز ، وهو الذي أكرمه وأحسن إليه { والفحشاء } معناه الزنا . والمعنى : كما رأيناه البرهان الذي صرفه عما هم به من الفاحشة ، كذلك نقيه السوء والفحشاء . أو نقيض له ما يزجره عن إتيان المعاصي { غنه من عبادنا المخلصين } بفتح اللام ؛ أي من الذين استخلصهم الله لدينه وتبليغ رسالته{[2227]} .


[2225]:المصباح المنير جـ 2 ص 315.
[2226]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 38.
[2227]:تفسير الطبري جـ 12 ص 113 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 170 وتفسير النسفي جـ 2 ص 217 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 475.