خلق السماوات والأرض : صنعها وأبدعها .
في ستة أيام : في ست مراحل ، فقد يكون اليوم آلاف السنين من أيامنا . العرش : مركز التدبير ولا نعلم كنهه وصنعته .
بعد أن افتتح السورة بذِكر آيات الكتاب ، وأنكر على الناس تعجُّبَهم من أن يوحى إلى رجل منهم يُنذر ويبشّر ، جاء بذكر أمرين .
أولا : إثبات أن لهذا الكون إلهاً قادراً يفعل ما يشاء .
ثانيا : إثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال من ثواب وعقاب . وهذا سيأتي ذكره في الآية اللاحقة .
إن ربكم أيّها الناس ، هو الذي خلقَ هذا الكونَ بأسرِه في ستّ مراحل تتضمن المرحلةُ منها أحقاباً وأزمنة ليست كأيّامنا هذه ، قد تم في كّلٍ منها طور من أطوار الخلق ، ثم استوى على عرشه وهيمَنَ بعظيم سلطانه ودبّر أمورَ مخلوقاته .
فليس لأحدٍ سلطانٌ من الله من شيء ، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يشفع لأحدٍ إلا بإذنه .
ذلكم الموصوفُ بالخلق والتقدير والحكمة والتدبير هو الله ربكم وولي نعمتكم ، فاعبُدوه ، وصدِّقوا رسوله ، وآمنوا بكتابه .
أتجهلون هذا الحق الواضح فلا تتذكرون نعمة الله ، وتتدبرون آياته الدالة على وحدانيته .
يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة ، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية ، ولأنه رفيق في أفعاله .
ومن جملة حكمته فيها ، أنه خلقها بالحق وللحق ، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة .
{ ثُمَّ } بعد خلق السماوات والأرض { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } استواء يليق بعظمته .
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } في العالم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء ، وإنزال الأرزاق ، ومداولة الأيام بين الناس ، وكشف الضر عن المضرورين ، وإجابة سؤال السائلين .
فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه ، وجميع الخلق مذعنون لعزه{[389]} خاضعون لعظمته وسلطانه .
{ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة ، ولو كان أفضل الخلق ، حتى يأذن الله ولا يأذن ، إلا لمن ارتضى ، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له .
{ ذَلِكُمْ } الذي هذا شأنه { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي : هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال ، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال .
{ فَاعْبُدُوهُ } أي : أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية ، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود ، ذو الجلال والإكرام .
فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من البعث{[37570]} - سحر ، وعلى حقيقة{[37571]} أنه من عنده من غير شبهة ، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها ، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم ، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال : { إن ربكم } أي الموجد لكم والمربي والمحسن { الله } أي من ربى{[37572]} شيئاً ينبغي أن يكون حكيماً وقادراً على أسباب صلاحه ، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند الذي{[37573]} له العظمة كلها قطعاً ، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم { الذي } بدأ الخلق بأن { خلق } أي قدر وأوجد { السماوات والأرض } على اتساعهما وكثرة ما فيهما{[37574]} من المنافع { في ستة أيام } لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير لا يفعل مثل ذلك في مثله إلا من لا يعجزه شيء .
ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير ، عبر سبحانه عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيراً إلى عظمته بأداة التراخي : { ثم استوى } أي عمل في تدبيره وإتقان{[37575]} ما فيه وإحكامه عمل{[37576]} المعتني بذلك { على العرش } المتقدم وصفه بالعظمة ، وليست " ثم " للترتيب بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها ؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله : { يدبر } لأن التدبير أعدل أحوال الملك {[37577]}فالاستواء كناية عنه { الأمر } {[37578]}كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور ، فحصل الأمن بهذا من أن يفعل شيء بغير علمه ، لأن التدبير تنزيل الأمور في مراتبها على{[37579]} إحكام عواقبها ، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي{[37580]} بعض الأمور بغير{[37581]} إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه ، بل هو متصف بأنه { ما من شفيع } أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك .
ولما كان تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحداً عند إذنه له إذناً عاماً لجميع{[37582]} الأزمان والأماكن ، أتى بالجار فقال : { إلا من بعد إذنه } فإذا لم يقدر شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء من الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم{[37583]} ليس من عنده يعجز الخلق عن معارضته ، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير إرادة منه سبحانه ، فتحرر أنه ليس إلا من عنده{[37584]} وأنه أمر بإبلاغه ، وقد عرف من هذا أن { ما من شفيع } في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره {[37585]}أمر من الأمور{[37586]} ولا يغلبه شيء أصلاً فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة وغيرها{[37587]} والشفيع : السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة منزلة ، وقد وقع ذكر{[37588]} الكتاب والرسول والعرش مرتباً في أول هذه على ما رتب آخر تلك ؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه{[37589]} فيها {[37590]}أحد ، وجب أن يعبد عبادة لا يشاركه{[37591]} فيها{[37592]} شيء ، فنبه على ذلك بقوله : { ذلكم } أي العظيم الشأن العالي المراتب { الله } أي الملك الأعلى { ربكم } الذي تقرر{[37593]} له من العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية{[37594]} ما لا يبلغه وصف { فاعبدوه } أي فخصُّوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة ، ولولا فضله لم يكن لمن{[37595]} زل أدنى زلة طاعة .
ولما سبب سبحانه{[37596]} عن أوصافه{[37597]} العلى ما وجب له{[37598]} من الأمر بالعبادة ، تسبب{[37599]} عن ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها لما قام على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم{[37600]} شواهدها فقال : { أفلا تذكرون* } أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام ، ما أخبركم سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما يريده ، ويعمل كثيراً مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره{[37601]} إلى غير ذلك من الأمور ليعلم قطعاً أن الفاعل الحقيقي غيره و{[37602]} أنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه{[37603]} أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع ! .