قوله تعالى : " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم " أي بكفرهم وافترائهم ، وعاجلهم . " ما ترك عليها " أي على الأرض ، فهو كناية عن غير مذكور ، لكن دل عليه قوله : " من دابة " فإن الدابة لا تدب إلا على الأرض . والمعنى المراد من دابة كافرة ، فهو خاص . وقيل : المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء . وقيل : المراد بالآية العموم ، أي لو أخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة ، من نبي ولا غيره ، وهذا قول الحسن . وقال ابن مسعود ، وقرأ هذه الآية : لو أخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين ، لأصاب العذاب جميع الخلق ، حتى الجُعْلان{[9912]} في جحرها ، ولأمسك الأمطار من السماء ، والنبات من الأرض ، فمات الدواب ، ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل ، كما قال : " ويعفو عن كثير{[9913]} " [ الشورى : 30 ] . " فإذا جاء أجلهم " أي : أجل موتهم ومنتهى أعمارهم . أو الوقت المعلوم عند الله عز وجل . وقرأ ابن سيرين " جاء آجالهم " بالجمع ، وقيل : " فإذا جاء أجلهم " ، أي : فإذا جاء يوم القيامة . والله أعلم . " لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " وقد تقدم{[9914]} . فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم ؟ قيل : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أراد الله بقوم عذابا ، أصاب العذاب من كان فيهم ، ثم بعثوا على نياتهم{[9915]} ) . وعن أم سلمة ، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به ، وكان ذلك في أيام ابن الزبير ، فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعوذ بالبيت عائذ ، فيبعث إليه بعث ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم ) فقلت : يا رسول الله ، فكيف بمن كان كارها ؟ قال : ( يخسف به معهم ، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ) . وقد أتينا على هذا المعنى مجودا في " كتاب التذكرة " ، وتقدم في " المائدة " وآخر " الأنعام{[9916]} " ما فيه كفاية ، والحمد لله . وقيل " فإذا جاء أجلهم " أي فإذا جاء يوم القيامة . والله أعلم .
قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون ( 61 ) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ( 62 ) } .
بعد أن بين الله حال المشركين الذين كفروا به ، وجحدوا نبوة رسول الله ( ص ) ، وقتلوا البنات ظلما ، وزعموا أن الملائكة بنات الله- بعد ذلك كله ، يبين الله أن هؤلاء الظالمين يستحقون العذاب العاجل ، لولا فضل الله بإمهالهم إلى يوم القيامة . وهو قوله : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) ( يؤاخذ ) ، من الأخذ ومعناه : التناول ، والعقوبة ؛ أي : لو يعاقب الله الناس بسبب شركهم ، وما جنوه من المعاصي والخطايا ، ( ما ترك عليها من دابة ) ، أي : لأهلك من يدب على ظهر الأرض من الأحياء . وذلك يدل على فظاعة ما يفعله الظالمون ، من عتو وجحود وعصيان . لكن الله بفضله ومنّه ورحمته ، قد أمهل الظالمين إلى اليوم الموعود . وفي هذا الصدد ، روي عن عبد الله بن مسعود قوله : " كاد الجعل{[2551]} أن يهلك في حجره بخطيئة بني آدم " .
قوله : ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) ، أي : لا يؤاخذهم الله بما كسبوا في الدنيا من الآثام والمعاصي ؛ إذ لو آخذهم الله بذنوبهم لما بقي منهم أحد ، بل إن الله يؤخر عنهم العذاب إلى اليوم الموعود ؛ ليلاقوا الجزاء البئيس والعذاب الذي لا يزول .
قوله : ( فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون ) ، المراد بأجلهم ، موتهم أو قيام الساعة . فإذا جاء هذا الموعد المحتوم ؛ فإن الظالمين لا يتأخرون عن موعدهم هذا أقل مدة من الزمن وهي ساعة ، وكذلك فإنهم لا يسبقون هذا الأجل المحتوم مثل هذه المدة القصيرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.