الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

قوله تعالى : " ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين . وقال غيره : لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر . والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا . وأصله المحنة ، وقد تقدم{[1316]} . والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء ، كما تقدم . وقيل : إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق . وقيل : أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم ، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع ، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس .

قوله تعالى : " بشيء " لفظ مفرد ومعناه الجمع . وقرأ الضحاك " بأشياء " على الجمع . وقرأ الجمهور بالتوحيد ، أي بشيء من هذا وشيء من هذا ، فاكتفى بالأول إيجازا " من الخوف " أي خوف العدو والفزع في القتال ، قاله ابن عباس . وقال الشافعي : هو خوف الله عز وجل . " والجوع " يعني المجاعة بالجدب والقحط ، في قول ابن عباس . وقال الشافعي : هو الجوع في شهر رمضان . " ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار . وقيل : بالجوائح المتلفة . وقال الشافعي : بالزكاة المفروضة . " والأنفس " قال ابن عباس : بالقتل والموت في الجهاد . وقال الشافعي : يعني بالأمراض . " والثمرات " قال الشافعي : المراد موت الأولاد ، وولد الرجل ثمرة قلبه ، كما جاء في الخبر ، على ما يأتي . وقال ابن عباس : المراد قلة النبات وانقطاع البركات .

قوله تعالى : " وبشر الصابرين " أي بالثواب على الصبر . والصبر أصله الحبس ، وثوابه غير مقدر ، وقد تقدم{[1317]} . لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى ، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) . وأخرجه مسلم أتم منه ، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها ، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر ، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ، ولذلك قيل : يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث . وقال سهل بن عبدالله التستري : لما قال تعالى : " وبشر الصابرين " صار الصبر عيشا{[1318]} . والصبر صبران : صبر عن معصية الله ، فهذا مجاهد ، وصبر على طاعة الله ، فهذا عابد . فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه ، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات . وقال الخواص : الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة . وقال رويم : الصبر ترك الشكوى . وقال ذو النون المصري : الصبر هو الاستعانة بالله تعالى . وقال الأستاذ أبو علي : الصبر حدّه ألا تعترض على التقدير ، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في قصة أيوب : " إنا وجدناه صابرا نعم العبد{[1319]} " [ ص : 44 ] مع أخبر عنه أنه قال : " مسني الضر " [ الأنبياء : 83 ] .


[1316]:تراجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص387 طبعة ثانية.
[1317]:راجع ج 1 ص 371
[1318]:هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا
[1319]:راجع ج 15 ص 215
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

قوله تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) البلاء معناه المحنة ، والابتلاء هو الامتحان والاختبار{[164]} . ذلك أن الله يؤكد لعباده المؤمنين أنهم لا بد مبتلون وأن الله ممتحنهم بضروب من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات . وكل صورة من صور البلاء هذه نقضّ الإنسان وتنال من عزمه وراحته إلا أن يعتصم برباط العقيدة ليزداد يقينا وثباتا ، ثم يجد من سلاح الصبر ما يحقق له الأجر وعظيم الجزاء . والله جلت قدرته يبتلي عباده المؤمنين بشيء من هذه البلايا وليس بها جميعها فهو سبحانه يبتلي عبده بشيء من الخوف أي كان مصدره أو سببه ، ثم بشيء من الجوع وهو قاس وأليم يُسام الإنسان به مرارة الطوى . ثم بنقص من الأموال كيفما كانت صورة هذا الانتقاص ، سواء بالجدب والقحط عقيب احتباس المطر ، أو نتيجة لجائحة من الجوائح تأتي على الزروع والثمرات ، أو بسبب فناء يعصف بالماشية والأنعام ، أو كساد يصيب أموال التجارة فأفضى بها إلى الفساد والخسارة .

وكذلك يبتلي الله عباده المؤمنين بمصيبة الموت ، كأن يموت للمؤمن قريب أو حبيب يثير فيه بالغ الحزن والأسى .

ويبدو من صيغة التأكيد ( لنبلونكم ) والتي ترد في معنى القسم أن من سنة الله أن يُبتلى المؤمنون في أمنهم بالخوف ، وفي قوتهم بالجوع ، وفي أموالهم وثمراتهم بالنقصان والخسران ، ثم في أنفسهم بالموت ؛ ليكون في ذلك امتحان عسير يمحص الله به المؤمنين الصابرين ، أو يميز الثابتين الأقوياء من الضعفاء الخائرين الذي يجزعون في الشدة ويتملكهم الروع والهلع .

ثم يأمر الله نبيه ( ص ) أن يبشر الصابرين بجزيل الثواب وعظيم الأجر على صبرهم واحتمالهم دون أن يميلوا أو يتزعزعوا .


[164]:- مختار الصحاح ص 65.