الأولى : قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا } ، { بلدا آمنا } يعني مكة ، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش . فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا ، فسميت الطائف لذلك ، ثم أنزلها تهامة ، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء ولا نبات ، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها ، وأنبت فيها أنواع الثمرات ، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم{[1179]} " إن شاء الله تعالى .
الثانية : اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين :
أحدهما : أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين ، ومن الخسوف والزلازل ، وسائر المثلات التي تحل بالبلاد ، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى . ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها ، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه ، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب .
وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمنا من القحط والجدب والغارات ، وأن يرزق أهله من الثمرات ، لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل ، فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال : طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم ، هذا بعيد جدا .
الثاني : أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد ، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا .
احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد{[1180]} شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها{[1181]} " ، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : " إلا الإذخر{[1182]} " . ونحوه حديث أبي شريح ، أخرجهما مسلم وغيره .
وفي صحيح مسلم أيضا عن عبدالله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة " . قال ابن عطية : " ولا تعارض بين الحديثين ؛ لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه ، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان . والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور ، وكان القول الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى ، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالا لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه " . وقال الطبري : كانت مكة حراما فلم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها .
الثالثة : قوله تعالى : { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } تقدم معنى الرزق{[1183]} . والثمرات جمع ثمرة ، قد تقدم{[1184]} . { من آمن } بدل من أهل ، بدل البعض من الكل . والإيمان : التصديق ، وقد تقدم{[1185]} .
{ قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } ، { قال ومن كفر } ، " من " في قوله { ومن كفر } في موضع نصب ، والتقدير وارزق من كفر ، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء ، وهي شرط والخبر " فأمتعه " وهو الجواب .
واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام ؟ فقال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هو من الله تعالى ، وقرؤوا " فأمتعه " بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء . { ثم أضطره } بقطع الألف وضم الراء ، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر فإنه سكن الميم وخفف التاء . وحكى أبو إسحاق الزجاج أن في قراءة أبي " فنمتعه قليلا ثم نضطره " بالنون . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هذا القول من إبراهيم عليه السلام . وقرؤوا " فأمتعه " بفتح الهمزة وسكون الميم ، { ثم أضطره } بوصل الألف وفتح الراء ، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين ، وعليه فيكون الضمير في " قال " لإبراهيم ، وأعيد " قال " لطول الكلام ، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين . والفاعل في " قال " على قراءة الجماعة اسم الله تعالى ، واختاره النحاس ، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة ، قال : ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها ، أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { رب اجعل هذا بلدا آمنا }ثم جاء بقوله عز وجل :
{ وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } ولم يفصل بينه بقال ، ثم قال بعد : { قال ومن كفر } فكان هذا جوابا من الله ، ولم يقل بعد : قال إبراهيم . وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب . وهذا لفظ ابن عباس : دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة ، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن ، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار . قال أبو جعفر : وقال الله عز وجل :{ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك{[1186]} }[ الإسراء : 20 ] وقال جل ثناؤه :{ وأمم سنمتعهم{[1187]} } [ هود : 48 ] . قال أبو إسحاق : إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين ، لأن الله تعالى قال : { لا ينال عهدي الظالمين } .
و{[4901]}لما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به{[4902]} سبحانه وفيما أمر به الخليل و{[4903]}ولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتاً لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم{[4904]} الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال : وإذ قال إبراهيم رب } فأسقط أداة البعد إنباء بقربه{[4905]} كما هو حال أهل الصفوة{[4906]} { اجعل هذا } أي الموضع{[4907]} الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي .
ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملاً بعمومه للبادي ولذلك{[4908]} قرر أنه مثابة للناس عامة وأمنٌ كان الأنسب تنكير البلد فقال : { بلداً } يأنس{[4909]} من يحل به { آمناً } إفصاحاً بما أفهمه
{ وإذ جعلنا البيت }[ البقرة : 125 ] الآية ، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما : في كونه بلداً فإنه{[4910]} إذا انقطع الناس عن أهله خرب{[4911]} ، وفي كونه آمناً ، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام .
ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال{[4912]} : { وارزق أهله }{[4913]} وقال : { من الثمرات } ، ولم يقل : من الحبوب ، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال : " ما دخلت هذه بيتاً إلا ذل " وقال : { من آمن منهم بالله } الجامع لصفات الكمال{[4914]} { واليوم الآخر } تقييداً لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة{[4915]} تأدباً معه{[4916]} حيث قال :{ لا ينال عهدي الظالمين }[ البقرة : 124 ] { قال } الله تعالى معلماً أن شمول الرحمانية{[4917]} بأمن الدنيا ورزقها لجميع{[4918]} عمرة الأرض { ومن كفر } أي أنيله{[4919]} أيضاً ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق ، وعبر عن ذلك بقوله : { فأمتعه{[4920]} } تخسيساً له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال{[4921]} المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها ، وأكد{[4922]} ذلك بقوله : { قليلاً } لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالاً في الدنيا وأوسع رزقاً من المؤمن ، وكذا في قوله : { ثم أضطره }{[4923]} بما لي من العظمة الباهرة{[4924]} { إلى عذاب النار } أي{[4925]} بما أستدرجه{[4926]} به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم ، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء{[4927]} منهم من إظهار حكمته وأن أحداً لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته ؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر{[4928]} . ولما كان التقدير : فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا ، عطف عليه قوله : { وبئس المصير } أي العذاب له في الآخرة ، وهو مفعل مما {[4929]}منه التصيير{[4930]} وهو التنقيل{[4931]} في أطوار وأحوال ينتهي{[4932]} إلى غاية تجب{[4933]} أن تكون{[4934]} غير حالة الشيء الأولى{[4935]} بخلاف المرجع .
قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } .
تتضمن الآية دعاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لمكة أن يجعلها الله بلدا آمنا فيعمها الرخاء والطمأنينة والرزق الوفير . وقوله : ( آمنا ) من الأمن والأمان وهو يعني الطمأنينة والسلام بعيدا عن الشك والاضطراب والتخوف وفي منجاة من كل ظواهر الشر والعدوان .
هذا هو دعاء إبراهيم لمكة أن يجعلها الله تعالى عامرة بالبركة والسلام فلا يتخللها أذى ولا يقع بساحتها بائقة من بوائق العدوان والشر ، وما من شيء فيها إلا وهو آمن لا تتطاول إليه يد بأذى حتى الشوك والشجر يظل مسترسل الأوراق والغصون فلا يتجاوز عليها أحد بالقطع . حتى الصيد تمرح قطعانه في أرجاء مكة فلا يناله أحد بآلة أو شراك مادام يتظلل بأفياء هذه البلدة المباركة القدسية التي كتبها الله مثابة للمؤمنين على طول الزمن فتهوي إليها أفئدتهم وأرواحهم ؛ ثم يدخلونها وهم آمنونا مطمئنون ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ، ولا عدوان ولا تخاصم ، ولا قتال ولا اقتتال .
وثمة مسألة تستوجب التوضيح وهي ما إذا كانت مكة حرما آمنا بدءا بعهد إبراهيم وبفضل دعائه ، أم أنها كانت كذلك قبل إبراهيم . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن مكة باتت آمنة بفضل الدعاء الخاشع الذي تضرع به إبراهيم عليه السلام في قوله : { اجعل هذا بلدا آمنا } واستدلوا على ذلك بجملة أحاديث نبوية نذكر منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : " كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا أخذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " اللهم بارك لنا في ثمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مُدنا ، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " {[131]} .
وأخرج مسلم أيضا في هذا الصدد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومُدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة " {[132]} . وغير ذلك من الأحاديث كثير .
وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن مكة قد جعلها الله بلدا حراما قبل إبراهيم الخليل بل يوم خلق الله السماوات والأرض ، فهي بذلك حرام بحرمة الله تعالى بداء بإيجاد الخليفة حتى تقوم القيامة . واستدلوا لذلك بعدة أحاديث أخر ، منها ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يُعضد شوكُه ، ولا يُنفر صيده ، ولا يُلتقط لقطته إلا من عرّفها ، ولا يُختلى خلاها " قال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : " إلا الإذخر " {[133]} .
وهناك أدلة أخرى من السنة غير هذا الحديث تدل كلها على أن حرمة مكة سابقة لدعاء إبراهيم ، وأنها في كتاب الله وقدره محرمة يوم خلق السماوات والأرض وهو ما نرجحه والله أعلم .
وعلى هذا الترجيح لا تُتصور منافاة بين الأدلة لكل من الفريقين . ويمكن تصور التوفيق بين أدلة الفريقين أن ما احتج به الفريق الأول من أدلة إنما يكشف عن مجرد تذكير إبراهيم بحرمة مكة وإعادة الإخبار للناس بهذه الحقيقة . وعليه فإن مكة كانت بلدا حراما منذ القدم ، لكن إبراهيم الخليل عاود التذكير مجددا بهذه الحقيقة .
أما أي البلدين خير وأفضل ؟ فقد ذهب جمهور المفسرين وأهل العلم إلى أن مكة خير من المدينة وأفضل مع أن لكل منهما خيرا وفضلا ، وأنهما كلتيهما مباركة ومقدسة ، وأنهما مضافا إليهما بيت المقدس في فلسطين خير بقاع الله وبيوته في الأرض ، إلا أن مكة لهي ذروة السنام في القدسية والأفضلية ؛ لأنها بلد آمن ترسو على متنه الكعبة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا والتي جاء فيها قوله سبحانه : { ومن دخله كان آمنا } وقوله { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } .
وفي فضل مكة وحرمتها ووجوب نشر الأمن والسلام والطمأنينة فيما يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح " .
وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ؛ فلا يحلف لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب " وهو ما رواه أبو شريح العدوي لعمر بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة{[134]} .
وقوله : { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } دعا إبراهيم ربه أن يرزق أهل مكة من بركات الأرض في ثمارها الطيبة ذات الطعوم النافعة الجيدة .
وقوله : { من آمن } : ( من ) اسم موصول في محل نصب بدل من ( أهله ) وهو بدل بعض من كل{[135]} . وبذلك فقد كان دعاء إبراهيم لمن آمن من أهل مكة خاصة ؛ ليخرج منا لمستفيدين من الأمن والثمرات من ليسوا مؤمنين ، لكن الله تباركت أسماؤه قد كتب الرزق للناس كافة ، سواء فيهم المؤمن والكافر وكذلك المستقيم والعاصي ؛ ليأخذ الناس جميعا بحظوظهم من هذه الدنيا الحياة وما يملأها من الخيرات والمنافع والثمرات . وتلك هي سنة الله في الدنيا وفي الناس . فهو سبحانه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ويكتب الحياة واللذة والرغد للناس جميعا على اختلاف أهوائهم ومللهم وانتماءاتهم . والأصل في ذلك أن الحياة لهي ميدان اختبار وعمل ، ثم تفضي بعد ذلك إلى الدار الآخرة حيث الجزاء ولا عمل . وخير الجزاء للذين أحسنوا في هذه الحياة الدنيا والذين أخلصوا لله النوايا ليعبدوه وحده بلا شريك .
وعلى هذا الأساس فإن الله- جلت قدرته- يكتب الرزق لمن يشاء من عباده ، سواء في ذلك من آمن منهم ومن كفر ، أما من كفر فإن الله يمتعه في الدنيا بما كتبه له من الحظ والعطاء الفاني ، ثم يلجئه بعد ذلك إلى عذاب النار وهو أسوأ عاقبة يؤول إليها العبد المعذب الخاسر ليبوء بهوان المصير والعذاب البئيس ، وفي ذلك يقول سبحانه : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } .