نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه ، المحصى فيه كل كبير وصغير ، المعامل{[16164]} فيه{[16165]} كل عامل بما يليق به ، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي{[16166]} فقال تعالى : { يوم } وهو معمول لعامل{[16167]} من معنى " يحذر " { تجد كل نفس } والذي يرشد إلى تعيين{[16168]} تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدراً - قوله سبحانه وتعالى { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ] سابقاً لها ولا حقاً ، ويجوز أن يكون بدلاً من يوم في قوله{[16169]}{ ليوم لا ريب فيه }[ آل عمران : 9 ] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه وتعالى أعلم ، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة{[16170]} { ما عملت من خير محضراً } أي لا نقص فيه ولا زيادة ، بأمر القاهر القادر على كل شيء { وما عملت من سوء } حاضراً ملازماً ، فما عملت من خير تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [ وما عملت من سوء { تود }{[16171]} أي تحب حباً شديداً { ولو أن بينها وبينه } أي ذلك العمل السوء { أمداً } أي زماناً . قال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري ، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه{[16172]} { بعيداً } من البعد ، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى . فالآية من الاحتباك : ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء{[16173]} ، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير .

{[16174]}ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه { ويحذركم الله } أي{[16175]} الذي له العظمة التي لا يحاط بها { نفسه } فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد{[16176]} ، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت ، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة ، بل{[16177]} الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة ، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية{[16178]} ظاهره وباطنه{[16179]} وظاهر الكون وباطنه - انتهى .

ولما كان تكرير{[16180]} التحذير قد ينفر{[16181]} بين أن تحذيره للاستعطاف ، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين ، فهو{[16182]} من رأفته بالمحذرين{[16183]} فقال بانياً{[16184]} على ما تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم : { والله } أي والحال أن{[16185]} الذي له وحده{[16186]} الجلال والإكرام

{ رؤوف بالعباد * } قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً ، والتحذير السابق انتهائياً ، فكان هذا رأفة سابقة ، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متصلاً بالمصير إلى الله ، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله .

والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق{[16187]} الرحمة ، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، فمن تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه{[16188]} وفضله ورحمته عليه لما برئ{[16189]} من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه ، فأحبه لذلك ، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله ؟ فقال : أتهددونني{[16190]} بمن لم أر الخير قط إلا منه . فلذلك{[16191]} إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده{[16192]} وبما{[16193]} وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى .

وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولاً دال{[16194]} على الوعد بالخير ثانياً{[16195]} ، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق .


[16164]:ي ظ: العامل.
[16165]:ن ظ ومد، وفي الأصل: عليه.
[16166]:من مد، وفي الأصل وظ: الغتى.
[16167]:ن ظ ومد، وفي الأصل: العامل.
[16168]:قط من مد.
[16169]:ي ظ: قبوله.
[16170]:ي ظ: الكلفة.
[16171]:يد بين الحاجزين من ظ ومد.
[16172]:في ظ: كتابه ـ كذا.
[16173]:من ظ، وفي الأصل ومد: الشر.
[16174]:العبارة من هنا إلى "أنه عبد" تأخرت في ظ عن "وباطنه انتهى".
[16175]:قط من مد.
[16176]:العبارة من هنا إلى "وباطنه انتهى" ساقطة من ظ.
[16177]:ي ظ: من.
[16178]:ن مد، وفي الأصل وظ: ظاهرة وباطنة.
[16179]:من مد، وفي الأصل وظ: ظاهرة وباطنة.
[16180]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تكوير.
[16181]:من مد، وفي الأصل: ينقد، وفي ظ: ينفد.
[16182]:ي ظ: وهو .
[16183]:قط من ظ.
[16184]:في الأصل: بمانبا، وفي ظ: ثانيا، وفي مد: بانبا.
[16185]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنه.
[16186]:من ظ ومد، وفي الأصل: وحدة.
[16187]:ي ظ: أرف.
[16188]:ي ظ: رفعة.
[16189]:ن مد، وفي الأصل: يرى، وفي ظ: من يرى.
[16190]:ن مد، وفي الأصل: أتهدونني، وفي ظ: أتهددوني.
[16191]:ي مد: فكذلك.
[16192]:ن مد، وفي الأصل وظ: وجده.
[16193]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ربما.
[16194]:في ظ : دل.
[16195]:في ظ: كائنا، وفي مد: ثابتا.