قوله تعالى : " لاهية قلوبهم " أي ساهية قلوبهم ، معرضة عن ذكر الله ، متشاغلة عن التأمل والتفهم ، من قول العرب : لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا . و " لاهية " نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب ، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله : " خاشعة أبصارهم " {[11217]} [ القلم : 43 ] و " ودانية عليهم ظلالها " {[11218]} [ الإنسان : 14 ] و " لاهية قلوبهم " قال الشاعر :
لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ *** يلُوحُ{[11219]} كأنه خَلَلُ
أراد : طلل موحش . وأجاز الكسائي والفراء " لاهية قلوبهم " بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية . وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ . وقال الكسائي : ويجوز أن يكون المعنى ، إلا استمعوه لاهية قلوبهم . " وأسروا النجوى الذين ظلموا " أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب ، ثم بين من هم فقال : " الذين ظلموا " أي الذي أشركوا ، ف " الذين ظلموا " بدل من الواو في " أسروا " وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم ، ولا يوقف على هذا القول على " النجوى " . قال المبرد : وهو كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا . وقيل : هو رفع على الذم ، أي هم الذين ظلموا . وقيل : على حذف القول ، التقدير : يقول الذين ظلموا وحذف القول ، مثل " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " [ الرعد : 23 - 24 ] . واختار هذا القول النحاس ، قال : والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] . وقول رابع : يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا . وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ، ولا يوقف على هذا الوجه على " النجوى " ويوقف على الوجه المتقدمة الثلاثة قبله ، فهذه خمسة أقوال . وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال : أكلوني البراغيث ؛ وهو حسن ، قال الله تعالى : " ثم عموا وصموا كثير منهم " {[11220]} [ المائدة : 71 ] . وقال الشاعر :
بِكَ نالَ النِّضَالُ دُونَ المَسَاعِي *** فاهْتَدَيْنَ النِّبَالُ للأغراضِ
وقال آخر{[11221]} :
ولكن دِيافِيٌّ أبوهُ وأمهُ *** بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ
وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، مجازه : والذين ظلموا أسروا النجوى . أبو عبيدة : " أسروا " هنا من الأضداد ، فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه .
قوله تعالى : " هل هذا إلا بشر مثلكم " أي تناجوا بينهم وقالوا : هل هذا الذكر الذي هو الرسول ، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم ، لا يتميز عنكم بشيء ، يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق كما تفعلون . وما علموا أن الله عز وجل أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم . " أفتأتون السحر " أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر ، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه ؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به . و " السحر " في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة . " وأنتم تبصرون " أنه إنسان مثلكم مثل : " وأنتم تعقلون " لأن العقل البصر بالأشياء . وقيل : المعنى ؛ أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر . وقيل : المعني ، أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ، ومعنى الكلام التوبيخ .
{ لاهية قلوبهم } أي غارقة{[50395]} قلوبهم في اللهو ، مشغولة به عما حداها إليه القرآن ، ونبهها عليه{[50396]} الفرقان ، وحذرها منه البيان ، قال الرازي في اللوامع : لاهية : مشتغلة من لهيت ألهى : أو طالبة للهو ، من لهوت ألهو - انتهى . ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره }[ الأنعام : 91 ] وقوله صلى الله عليه وسلم " لا أحصي ثناء عليك " وأن يخص بالكفار .
ولما ذكر ما يظهرونه{[50397]} في حال الاستماع من اللهو واللعب ، ذكر ما يخفونه من التشاور في الصد عنه {[50398]}وإعمال الحيلة في{[50399]} التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض في الثبات على المجانبة له فقال عاطفاً{[50400]} على { استمعوا } : { وأسروا } {[50401]}أي الناس المحدث عنهم{[50402]} { النجوى } أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر ، لأن المناجاة في اللغة السر - كذا في القاموس ، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : والنجوى : الكلام بين اثنين كالسر والتشاور{[50403]} .
{[50404]}ولما أخبر بسوء ضمائرهم ، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة{[50405]} الحاملة لهم على ذلك فقال : { الذين ظلموا } ثم بين ما تناجوا به فقال : { هل } أي فقالوا في تناجيهم هذا ، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته{[50406]} لهم في البشرية : هل { هذا } الذي أتاكم بهذا الذكر { إلا بشر مثلكم } أي في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت ، فكيف يختص عنكم بالرسالة ؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له ، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم : { أفتأتون السحر وأنتم } أي والحال أنكم { تبصرون* } بأعينكم أنه بشر مثلكم ، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون{[50407]} سحراً ، فيا لله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان{[50408]} وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان ، باصطلاء{[50409]} النيران ، والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض الذكاء والفطنة ، وحسن الخلائق والأخلاق ، والقوة والصحة ، وطول العمر وسعة الرزق - ونحو ذلك {[50410]}من القيافة والعيافة والرجز والكهانة ، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم{[50411]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.